هبة زووم – الرباط
في قراءة عميقة لما يجري على صفيح التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، قدّم الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي تشخيصًا لافتًا لمسار المفاوضات التي سبقت الانفجار العسكري، كاشفًا أن ما كان يُروّج له كـ”نزاع حول البرنامج النووي” لم يكن سوى واجهة لمعركة أكبر وأخطر.
بحسب اليحياوي، فإن الشروط التي طرحتها واشنطن على طهران تجاوزت منطق التفاوض إلى منطق الإذعان الكامل: تدمير شامل للبنيات النووية، تسليم كل المواد المخصبة، تفكيك الكفاءات العلمية عبر إعادة تدويرها أو تسريحها، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات، وعلى دفعات مشروطة.
شروط، يقول الباحث، “لا يقبل بها عاقل”، لأنها تعني عمليًا تجريد دولة ذات سيادة من أحد أهم أوراق قوتها الاستراتيجية، دون ضمانات حقيقية أو فورية.
ورغم أن المفاوضات كانت، حسب اعتراف الإدارة الأمريكية نفسها، تسير في اتجاه التقدم، فإن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب اختار، وفق تعبير اليحياوي، منطق الغدر السياسي: الاعتراف بالتقدم، ثم استباق نهايته بطعنة قاضية أنهت المسار التفاوضي وفتحت أبواب الحرب.
ما يلفت في هذا التحليل هو تأكيده أن الولايات المتحدة لا تخوض حربًا مباشرة باسم مصالحها، بل كوكيل عسكري يخوض المعركة لصالح إسرائيل.
فالرأي العام الأمريكي، رغم محدودية اطلاعه على تعقيدات السياسة الخارجية، بات واعيًا – حسب اليحياوي – بأن أبناءه يُدفعون إلى حرب لا تخصهم، بينما يتحصن الجنود الإسرائيليون في الملاجئ، وتُحوَّل كلفة الحرب البشرية والمالية إلى دافع الضرائب الأمريكي، في حين تصب مكاسبها الاستراتيجية في خزائن إسرائيل.
الأخطر في هذا التحول، يضيف اليحياوي، هو أن الهدف لم يعد البرنامج النووي الإيراني. فخطاب “منع القنبلة” تراجع لصالح هدف أكثر جذرية: تغيير النظام الإيراني نفسه.
هنا، تنتقل الحرب من مستوى النزاع السياسي إلى حرب وجود: إسرائيل ترى في بقاء النظام الإيراني تهديدًا استراتيجيًا دائمًا، إيران تعتبر المعركة مع إسرائيل معركة مصير، لا مجال فيها للتنازل أو التراجع، والولايات المتحدة، وإن بدت في الواجهة، تتحرك من الخلف كضامن للتفوق الإسرائيلي.
وفق هذا المنظور، فإن الصراع دخل مرحلة اللاعودة، لا إسرائيل قادرة على التراجع، ولا النظام الإيراني مستعد للاستسلام، والطرفان وُضعا على محك وجودي صفري، حيث لا حلول وسط، ولا تسويات تجميلية.
والنتيجة المتوقعة، كما يحذر اليحياوي، هي حرب أشرس وأطول وأكثر كلفة مما يتصوره كثيرون، حرب قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة، أو تفتحها على فوضى إقليمية شاملة، تتجاوز حدود إيران وإسرائيل لتطال الشرق الأوسط برمت
تحليل يحيى اليحياوي لا يقرأ الحدث كصدام عسكري عابر، بل كتحول استراتيجي خطير، يكشف أن لغة الدبلوماسية كانت مجرد مرحلة مؤقتة في مسار صدام حتمي.
ومع انتقال الصراع من “ملف نووي” إلى “معركة نظام”، فإن المنطقة تقف اليوم على أعتاب مرحلة غير مسبوقة، عنوانها الأبرز: حرب بلا سقف واضح ولا نهاية قريبة.
تعليقات الزوار