هبة زووم – محمد أمين
لم تعد تازة، “لؤلؤة الأطلس” كما كانت تُسمى، تلك المدينة الأندلسية العتيقة التي تشد الرحال لجمالها الطبيعي وتراثها العريق، فاليوم، يواجه الزائر والسكان على حد سواء حقيقة صادمة: مدينة تُغرق في فوضى عمرانية، وتردي خدماتي، وتفكك نسيج حضري، حولتها من قطب جهوي واعد إلى ما يشبه حاضنة للفقر والإجرام، في ظل غياب واضح لرؤية تدبيرية حازمة من قبل العامل بنشيخي، المسؤول الأول عن تدبير الشأن الترابي بالإقليم.
فمشاكل تازة، كما يصفها المواطنون والفاعلون المحليون، كثيرة ومتعددة: ضعف البنيات التحتية، انتشار السكن غير اللائق، تفاقم الأسواق العشوائية، احتلال صارخ للملك العمومي، غياب النظافة في أحياء بأكملها، انتشار ظاهرة التسول بكل أشكاله، وتربية الماشية والدواجن فوق أسطح المنازل.
مظاهر وسلوكات، بحسب مراقبين، تقتل الحس الجمالي للمدينة، وتنتقل بها من وضعيات الحياة المعاصرة إلى مجرد حاضنة لتفريخ وإنتاج قيم وعلاقات قروية بامتياز”
الترييف واغتيال النسيج الحضري: من يحمي هوية تازة؟
بالنسبة للمجال السكاني، فإن انتشار مظاهر الترييف وانحلال النسيج الحضري للمدينة، بفعل تسارع وتيرة هجرة سكان البوادي المجاورة، التي أصبحت جماعية بالأسر والعائلات، ساعد على انتشار السكن العشوائي بكل مظاهره، وساهم في توسيع الهوة بين الأحياء المتركزة بوسط المدينة، وبين الأحياء الهامشية التي تفتقر لأبسط متطلبات العيش الكريم.
هذا الانزياح الحضري يطرح إشكاليات وجودية: أين هي سياسات الإدماج الحضري التي يفترض أن ترافق الهجرة القروية لضمان انتقال سلس للسكان؟ ولماذا لا تُفعّل برامج الإسكان الاجتماعي لاستيعاب الوافدين الجدد ومنع انتشار المدن الصفيح؟ وكيف يمكن الحفاظ على الهوية الحضرية لتازة بينما تتحول أحياء كاملة إلى قرى ممددة داخل النسيج المدني؟
إن استمرار فجوة الترييف لا يُهدد فقط جمالية المدينة، بل يُعمّق شعور السكان باللامساواة المكانية التي تُحوّل تازة من مدينة موحدة إلى فسيفساء أحياء متنافرة.
احتلال الملك العام: فوضى تُخنق الحياة وتُهدد السلامة
ظاهرة احتلال الملك العمومي بتازة تعتبر من أهم الإشكالات التي تواجه تنظيم المجال وتطويره بالمدينة، بعد أن حول البائعون الجائلون المدينة إلى سوق كبير، وخنقوا بسلعهم وعرباتهم المجرورة كل فضاءاتها وشوارعها، حيث صار مرور السيارات ودخولها إلى بعض الأزقة مستحيلاً.
والأخطر من ذلك، أن أصحاب المقاهي ومحلات الأكلات السريعة يقومون بضم الأرصفة المجاورة لهم إلى ملكهم الخاص عن طريق بنائها أو تسييجها، دون مراعاة لحياة المواطنين، الذين أصبحوا يمشون وسط الطريق جنبا إلى جنب مع السيارات والدراجات، لاسيما النساء والفتيات اللواتي يفضلن النزول من الأرصفة المحتلة، تفادياً للمرور بين الطاولات والكراسي التي تعج بالمحملقين وأصحاب التعليقات اللاذعة.
هذا الاستيلاء على الفضاء العمومي يطرح أسئلة محرجة: أين هي دوريات المراقبة التي يفترض أن تمنع الاحتلال غير القانوني للأرصفة والشوارع؟ ولماذا لا تُفعّل العقوبات القانونية ضد من يثبت تورطه في احتلال الملك العام؟ وكيف يمكن ضمان سلامة المشاة، خاصة النساء والأطفال، بينما تُترك الأرصفة رهينة مقاهٍ ومطاعم لا تحترم القانون؟
إن تحويل الفضاء العمومي من حق للمواطن إلى غنيمة للتجار لا يُهدد فقط السلامة العامة، بل يُرسّخ ثقافة الإفلات من المحاسبة التي لطالما عانت منها المدن المغربية.
النظافة والتسول: مؤشرات أزمة تدبير خانقة
لا تقف أزمة تازة عند الفوضى العمرانية واحتلال الملك العام، بل تمتد لتشمل غياب النظافة في بعض الأحياء التي تشتهر بتربية الأغنام والدجاج والأرانب فوق السطوح، ناهيك عن ظاهرة التسول بكل أنواعه وأشكاله التي تنتشر في الشوارع والأسواق.
هذا التردي الخدمي يطرح إشكاليات استراتيجية: أين هي حملات النظافة الدورية التي يفترض أن تنظمها الجماعة بشراكة مع المصالح المختصة؟ ولماذا لا تُفعّل برامج مكافحة التسول التي تجمع بين الردع وإعادة الإدماج؟ وكيف يمكن تحسين جودة العيش بينما تُترك الأحياء الشعبية رهينة تراكم النفايات ومظاهر الفقر؟
فاستمرار ثقافة الانتظار لا يُهدر فقط جمالية المدينة، بل يُضعف جاذبية تازة للاستثمار وللسياح على حد سواء.
العامل بنشيخي على المحك: صمت يُفسر كتواطؤ؟
في ظل تفاقم هذه المشاكل، يبرز صمت العامل بنشيخي كنقطة ضعف إضافية، فبينما يُفترض أن يتدخل العامل كقائد ميداني لوضع حد للفوضى، وإعادة الاعتبار لجمالية المدينة، وضمان احترام القانون، يبدو أن الخيار هو المراقبة من بعيد.
هذا الصمت الإداري يطرح أسئلة محرجة: أين هي الزيارات الميدانية للعامل لمعاينة واقع الأحياء الهامشية ومشاكل الملك العام؟ ولماذا لا تُعلن عمالة تازة عن خطة عاجلة لمعالجة فوضى الترييف واحتلال الأرصفة؟ وكيف يمكن للمواطن أن يثق في قدرة السلطات على حل المشاكل بينما تستمر الفوضى في الانتشار؟
إن استمرار الصمت لا يُضعف فقط مصداقية العامل، بل يُهدر ثقة الساكنة في قدرة الدولة على ضمان عيش كريم في مدينة بحجم تازة.
ما ننتظره: من الفوضى إلى الرؤية الحازمة
لم يعد مقبولاً أن تُترك تازة رهينة فوضى الترييف واحتلال الملك العام وتردي الخدماتن ما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن الترابي اليوم هو خطة عاجلة لإعادة تأهيل الأحياء الهامشية، مع برامج إسكان اجتماعي تستجيب لحاجات الوافدين الجدد من البوادي.
كما يتطلب الأمر حملة واسعة لتحرير الملك العام، مع فرض عقوبات صارمة على من يثبت تورطه في احتلال الأرصفة والشوارع، بالإضافة إلى برنامج شامل للنظافة ومكافحة التسول، يجمع بين الردع القانوني وبرامج الإدماج الاجتماعي.
ويُنتظر أيضاً مراجعة مخططات التهيئة الحضرية، لضمان توازن مجالي بين وسط المدينة والأحياء الهامشية، مع اعتماد شفافية كاملة في نشر تقارير تقدم المشاريع، وإشراك المجتمع المدني في مراقبة جودة التدخلات.
إما رؤية تُنقذ تازة وإما استمرار في ثقافة الفوضى
ما تعيشه تازة مع أزمة الترييف والفوضى الحضرية ليس تحدياً ظرفياً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الترابية وقدرة العامل بنشيخي على تجاوز عقلية المراقبة لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن يتحرك العامل بجدية لوضع حد للفوضى، وإعادة الاعتبار لجمالية المدينة، وضمان عيش كريم للسكان، وإما أن تستمر ثقافة الفوضى التي تُحوّل تازة من لؤلؤة الأطلس إلى حاضنة للفقر وتُهدر ثقة المواطنين في قدرة الدولة على تدبير شؤون مدنهم.
سكان تازة اليوم ينتظرون، والمدينة ليست ساحة للفوضى والملك العام ليس غنيمة خاصة والمواطن ليس متفرجاً على تدهور يُهدد مستقبل مدينتهم، تازة ليست قرية ممددة والأرصفة ليست مطاعم خاصة والمواطن ليس رقماً في معادلة اللامبالاة.
تعليقات الزوار