برشيد: عندما تدخل مدينة “اللامبالاة” موسوعة الإهمال والمواطن ينتظر جراحة إنقاذ لا خطابات

هبة زووم – أحمد الفيلالي
تعرف مدينة برشيد تراجعاً مقلقاً وإهمالاً مُطبقاً ساهم بشكل خطير في ذبول ملامح وجهها الحضري، تاركة مدينة استسلمت عنوة لمفردات التراجع والإهمال والرتابة والعشوائية، في مشهد يثير الخجل ويسائل مختلف المسؤولين المحليين الذين تعاقبوا على تدبير الشأن المحلي على امتداد السنوات.
فبينما كانت برشيد يوماً ما نموذجاً يُحتذى به في التدبير الترابي، تحولت اليوم إلى ما يصفه سكانها بـ”مدينة اللامبالاة”، حيث تتراكم المؤشرات القاتمة التي لا تحتاج إلى عدسة مكبرة لرصدها.
وصلت الشوارع الكبرى للمدينة إلى درجة لا تُطاق من الإهمال والرتابة، حيث يُلاحظ المواطن ضعف الإنارة العمومية وتقادم أعمدتها، وعشوائية الأغراس المتناثرة، واهتراء الطرق وتهالك الأرصفة.
والأخطر من ذلك، غياب شروط الجاذبية في جل المدارات الطرقية التي تكتسحها الأعشاب والحشائش والنباتات الطفيلية، في مشهد يعكس “انزياحاً قيمياً” خطيراً في تدبير الفضاء الحضري.
والملفت للاستغراب أن كل الشوارع الرئيسية، بما فيها الشارع الرئيسي للمدينة، تغيب عنها النافورات العمومية والعناصر الجمالية التي تضفي الحياة على الفضاءات الحضرية، مما يجعل منها شوارع فاقدة للحياة، تثير الاشمئزاز والكآبة، ولا يتم النظر إليها إلا قليلاً.
ويستنكر الكثير من السكان الذين تم استجوابهم الحالة التي وصلت إليها شوارع المدينة، مؤكدين أن بعض الأحياء المحظوظة فقط هي التي تحظى بالتفاتة عابرة من المسؤولين، قبل أن تعود إلى غبار الإهمال والرتابة.
يضاف إلى هذا الواقع المر، معاينة مجموعة من المتشردين الذين ساقهم قدرهم إلى المدينة، حيث أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من مورفولوجية المجال الحضري.
بعضهم يقتات من قمامات الأزبال، والبعض الآخر يتسول المارة، في مشهد يطرح إشكاليات أمنية وصحية واجتماعية معقدة، خاصة وأن هؤلاء من الممكن أن يعرضوا الغير للأذى في ظل غياب آليات المواكبة الاجتماعية.
ولا تختلف وضعية المنطقة الصناعية عن باقي أجزاء المدينة، حيث تعيش على وقع الإهمال والنسيان، وتحولت إلى ملاذ للمنحرفين والمتسكعين، مما يفرض توجيه البوصلة نحو هذه المنطقة الحيوية التي كان يفترض أن تكون قاطرة للتنمية الاقتصادية المحلية، لا مستنقعاً للانحراف والعشوائية.
هذا الواقع القاتم يطرح أسئلة محرجة حول نجاعة آليات التدبير الترابي وبرشيد: لماذا تستمر ثقافة الإهمال في الهيمنة على المشهد الحضري؟ وأين هي الاستراتيجية الواضحة لإعادة تأهيل الفضاءات العمومية؟ وكيف يمكن بناء ثقة بين المواطن والسلطة بينما تُترك شبهات اللامبالاة تُحيط بملفات حساسة كالتنمية الحضرية؟
فتحويل التدبير الترابي من رسالة خدمة إلى منصب للتبرير لا يُهدر فقط حقوق المواطنين، بل يُعمّق شعورهم بـ”العجز المؤسسي” الذي يُحوّل المسؤول من خادم للعموم إلى حارس للامتيازات.
لم يعد مقبولاً أن تُترك برشيد رهينة للإهمال الممنهج، فما يحتاجه المواطنون اليوم هو خطة استعجالية حقيقية تشمل إعادة تأهيل الشوارع الرئيسية، وصيانة الإنارة، ومعالجة ظاهرة التشرد بمنهجية اجتماعية وأمنية متكاملة، بالإضافة إلى إعادة الاعتبار للمنطقة الصناعية.
إما أن تتحول وعود الإصلاح إلى أفعال ملموسة تعيد للمدينة بريقها، وإما أن يستمر النزيف الصامت الذي لن تكون نهايته رحيمة بأحد. سكان برشيد ينتظرون تدخلاً حاسماً يوقف هذا التراجع، ويعيد الثقة بين المواطن ومدينته.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد