تنامي الجريمة…بين الواقع والحلول
مصطفى غريب
إن أول ما يلفت انتباه المتتبع للشأن العام المحلي لمدينة بوزنيقة، بالإضافة إلى التوسع العمراني الذي عرفته المدينة في السنوات الأخيرة كتسونامي غطّى منها اليابس والأخضر، هو الاختلالات المجالية التي تميزها بها، والمتمثلة في انعدام المرافق العمومية والخدمات الاجتماعية، وهذا راجع بالأساس إلى تلاعب المسئولين المتعاقبين على تسيير الشأن المحلي للمدينة، سواءً على المستوى المالي أو الإداري، حيث تم تشويه تصميم تهيئتها، الذي صودق عليه بتاريخ 22 دجنبر 2003، والذي كان يراعي آنذاك كل حاجيات الساكنة من مرافق عمومية (إدارية واجتماعية وثقافية ورياضية وتربوية وتجارية وخدماتية) بالإضافة إلى المساحات الخضراء.
وبفعل هاجس المضاربة، العقارية والمصلحة الخاصة، وعوامل أخرى كاستغلال النفوذ والتواطؤ، سارع المسئولون إلى إعادة النظر في تصميم التهيئة، فبدلوا وغيروا المعالم العمرانية والبيئية لأغلب التجزئات السكنية المحدثة أخيرا، كما هو الحال بالنسبة لتجزئة حي عثمان حيث ثم حذف حمام وتم تعويضه بعمارة من أربعة طوابق، وتجزئة وادي المخازن حيث حذفت دار الشباب واستبدلت بأربع بقع أرضية سكنية وزعت على أصحاب النفوذ، نفس التغيير طال تجزئة الورود ذات الرسم العقاري 4025ر، ومشروع المنظر الجميل الذي تم استبداله بتجزئة سكنية.
وعندما تغيب المرافق التربوية والثقافية والترفيهية والرياضية وسط هذا التكدّس السكاني نتيجة للسياسة المعتمدة بشأن ذلك، التي تفتقد لرؤية موحدة ومنسجمة، وكذا غياب لسياسة رشيدة وبعد استراتيجي، فلا غرابة إذن أن ترى انفلاتات أمنية، ووقوع جرائم قد تختلف خطورتها بحسب نوع الجريمة المقترفة، والتي غالبا ما تكون جريمة جنائية أو جنحة ضبطية أو جنحة تأديبية، ومظاهر الإنحلال الخلقي والإنحراف والجريمة وآفة المخدرات بشتى أصنافها، والخمور التي أصبحت في متناول الجميع، بسبب تواجد خمارة بحي سكني شعبي(حي الرياض)، والتي بالرغم من بطلان رخصتها سواء كانت مؤقتة أو رسمية، بسبب خرقها الواضح والصريح للفصل 28 من القانون المديري، الذي يمنع بيع ومناولة المشروبات الكحولية للمسلمين، وكذا الفصلين 30 و31 اللذان تم خرقهما في غير ما مرة، حينما سجلت أحداث إجرامية وصلت إلى حد القتل، ثم مراسلة جميع الجهات المحلية والإقليمية والجهوية والمركزية، عبر رسالة موقعة من 24 جمعية محلية مطالبة فيها بسحب الرخصة، إلا أن الوضع مازال على ما هو عليه، بل ازداد سوءً وتأزما سواءً على المستوى الإجتماعي أو الإقتصادي أو الأخلاقي، فكثير من الأسر ذاقت الويلات ثم الويلات بفعل تواجد الخمارة بالقرب من مساكنها، فمنها من وصل بها الأمر إلى حد التشتت بسبب العنف الذي أصبح يمارسه الأب على الأم والأبناء نتيجة إدمانه على شرب الخمر، ومنها من فقدت الرقابة على أبنائها حتى انحرفوا بسبب الإدمان، ومنها من تكبدت عناء شد الرحال إلى السجون حيث أحد أبنائها هناك، ومنها من فوجعت في فقدان أحد فلذات أكبادها قتلا، إما بسبب جلسة خمرية أو نزاع طائش كان سببه السكر العلني، ومنها.
.
.
ومنها.
.
.
هي إذن مجموعة من الإختلالات والتجاوزات والخروقات السافرة للقانون، التي يجب على السلطات المحلية الإدارية قبل غيرها اتخاذ الإجراءات الزجرية في حق صاحب الخمارة، حفاظا على الحقوق الفردية والشخصية للمواطن من جهة، وعلى النظام العام للمدينة من جهة ثانية؟؟؟.
.
.
.
تلكم إذن أهم الأسباب الرئيسية في تكوين عناصر الجريمة، التي تقتضي محاربتها تكتل الجميع مسئولين ومدنيين، برسم خطة عمل وفق دراسة ميدانية ومقاربة نوعية لاستئصال جذورها، انطلاقا من الوسائل الضرورية التي تمكن الجهاز المختص من تحقيق الأمن وضبطه، حتى يستتب في جميع أرجاء المدينة وتنعم به ساكنتها، وهنا يأتي دور جميع المسؤولين على المنظومة المحلية، بما في ذلك السلطات المحلية والمجلس البلدي، الذي أصبح مطالبا اليوم قبل الغد بتقنين سياسة ترشيد النفقات، فمن غير المعقول مثلا أن يخصص اعتمادات مالية مهمة، تصل إلى مائة وأربعة وتسعون مليون سنتيم، تخصّص كلها للسيارات والآليات من شراء للوقود والزيوت والصيانة والإصلاح ومصاريف التأمين والضريبة إلخ.
.
.
والتي ربما لعدد من السادة المستشارين حصة الأسد منها، بخصوص استغلالهم المفرط لسيارات الجماعة، التي يستعملونها فقط لأغراضهم الشخصية والعائلية، ويتنقلون بها في كل مكان وفي جميع الإتجاهات خارج أوقات العمل، هذا في الوقت الذي تعاني فيه المصالح الأمنية المحلية، من خصاص حاد على مستوى النقل، والذي زاد من حدته، ركون إحدى السيارتين للأمن، لمدة طويلة أمام مفوضية الشرطة، بسبب عطل في المحرك وكذا بعض العجلات.
كما أصبح -المجلس البلدي- مطالبا كذلك بالتفكير في خلق شراكة مع وزارة الداخلية والمديرية العامة للأمن الوطني، لإحداث بناية أمنية جديدة تستجيب للمتطلبات العصرية والمعايير الدولية، حتى يرقى أداء الشرطة إلى المستوى المطلوب، ومدها بالدعم اللوجيستيكي لسد الخصاص الحاصل، حتى يتم تمكين رجال الشرطة من أداء واجبهم على أحسن وجه، حينها ستتحقق أمنية المواطن وهو يرى تدخل رجال الأمن في الزمان و المكان المناسبين، وبهاته الخطوة الشجاعة سيتم القضاء على الجريمة، وإجهاض كل محاولاتها.
وإلى جانب هذا الإرتقاء بالنجاعة الأمنية لمحاربة الجريمة والإنحراف بمختلف أشكاله، لابد كذلك من تطوير المقاربة النوعية، لاسيما من خلال تعزيز الشراكة مع المجتمع المدني وفسح المجال أمام الفاعلين التربويين للإضطلاع بدورهم كاملا في هذا المجال، وهما سبيلان كفيلان بالمساعدة على الحد من تفشي الجريمة.
وقد سبق لهاته المبادرة بعض القيادات والدوائر الأمنية في مختلف ربوع المملكة، كان آخرها مبادرة سيدي البر نوصي حينما قام كل من نائب العميد المركزي ورئيس المنطقة الأمنية هناك، بتنظيم لقاء تواصلي مع فعاليات المجتمع المدني، وذلك لطرح قضايا ومشاكل تشغل الساكنة، فكان لذلك الأثر الإيجابي على مستوى الحد من ظاهرة الإجرام.
ونتمنى من القيادات الأمنية المحلية أن تنحو هذا المنحى، وتؤسس جسر التواصل مع كل فعاليات المجتمع المدني، تكريسا لمفهوم المقاربة التشاركية، وعملا بشعار الشرطة في خدمة المواطن، لتحقيق الإنسجام مع ما تقتضيه توصيات الإدارة و طبيعة المرحلة.