وداعا المهندس خالد الغازي .

حميد طولست

تعزية اكتبها عن المهندس خالد الغازي الذي انتقل الى رحمة الله تعالى اليوم بالقاهرة يوم 15/1/2014 والدموع تتنازع قلبي ، وتؤلم فؤادي .
.

 كثيرا ما تمر على حياة الإنسان أيام وأحداث وتواريخ ويعيش ، من دون إرادته أو اختياره ، بعض محطاتها التي تكون مرة حبلى بالسعادة ، ومرة عامرة بالأحزان ، ومرات تكون بلا طعم أو لون أو رائحة ، ومع ذلك تأخذ حيزا كبيراً من حياته ، وتأسر قلبه .
.
وعلى رأس اللحظات التي كانت بالنسبة لي خاصة ومختلفة ، بل وفارقة في حياتي ، كان هناك شهر يناير ، الذي أعيش فيه لحظات فارقة وما مررت خلاله بتجارب مؤلمة علي الصعيدين الشخصي والعام إلى تحول عندي إلى شهر نحس وغبن وحزن ، بما عبقت به بعض صباحاته من روائح الكفن والقبور ، وبما اختلطت في بعض أيامه ادخنة المباخر برماد الابتهالات والأحلام ، وبما نزف خلاله من الأهل والأحباب والمعارف والخلان الطيبين الذين لا يمكن لي التمتع بالحياة من دونهم ، وقد كان أول ضحايا هذا شهر يناير من السنة الماضية 2013 ، تلك المرأة العظيمة التي أعطتني – ولغيري دون تمييز -من نبعها الأجمل ، ومن جهدها أقصى ما استطاعت .
.
والدتي التي غادرتنا في اليوم الثاني من أيام شهر الشؤم هذا.
وها هو مقدم العام 2014 يعود ليحتل الحزن صدارة نفس الشهر بقوة وشدة ، متوجا أسبوعه الثاني باختطافه رجل من الزمن الجميل ، قادر على العطاء بلا حساب من المشاعر والماديات لأولاده والمحيطين ، رجل مواقف ، ابهرني بابتسامته الآسرة ، وطيبته العارمة ، وتواضعه الغامر ، ورغبته القوية في تحقيق السبق والفوز لمصر في اختصاصه الذي يتقنه ويهواه حد العبادة (فن تطوير وتعديل و صيانة سيارات الرالي وتنظيم سباقاتها الرياضية) ، الذي كان يحدثنا عنه بسعادة خلال لقاءاتنا العائلية في بيت صهري أمير الزايدي بالقاهرة حيث كنا نلتقي حول كؤوس الشاي والقهوى ، كانت كل أحاديثه وحواراته عن فنون مهنته ، عبارة عن محاضرات في علم المكانيك التي كان فيها مشروعاً متحركاً ونهراً من الأسئلة الكبيرة ، يسابق الوقت طمعاً في الإجابات الكبرى الذي كان يتقنه ويهواه حد العبادة ، ما دفع بـ “عبدو إيهاب” والكثير من خبراء وهواة رياضة السيارات بمصر ، ليقول في حقه رحمه الله: اثنان لن يتكررا في عالم سباق السيارات “بول ولكر Paul Walker والمهندس خالد الغازي الذي ترك -رغم أنه عمل بصمت دون بحث عن شهرة أو بهرجة – لكل الخبراء والمتخصصين والمولعين مثله برياضة السيارات بمصر والسائرين على طريقه ارثا حضاريا وإنسانيا كبيرا وأثراً وفياً يأبى أن يفارق الذاكرة المتخمة بالكثير من ذكراه التي كان في أكثرها حاضر الذهن حامدا راضيا حتى في أصعب الاوقات التي واجه فيها روحه الزكية شدائد مصارعة الموت ، وقساوة التشبث بما تطال من بقايا الحياة من أجل أبنائه وأهله وأحبته ، ورغبتها في اختصار عذابات أيامه ، وجراح لياليه التي نزفت جرحاً جرحاً للانضمام إلى أسراب الطيور السابحة في علو أبديتها الخالدة ، ولتحلق في جنات خالق الموت وواهب الحياة .
.

رحم الله فقيدنا خالد الغازي واسكنه فسيح جنانه وشمله بعفوه ورحمته وألهمنا جميعا جميل الصبر والسلوان ، وخاصة ابنه عبد الرحمان وابنته ملاك وزوجته ” نهى ” التي جعلت العدد الغفير من أهله وأحبته وزواره ، يخجلون من تذمرهم ونفاذ صبرهم ، امام صمودها المبهر وإيمانها الصادق ، حيث كانت تقف -رغم وهنها وضعفها- إلى جانب مرقد زوجها متجلدة ثابتة ، تراقب بنظراتها الحانية ، وجوارحها المتألمة ، تموجات صدره وحجرجة أنفاسه عبر ما وضع حوله من أجهزة وأسلاك ومعدات ، متضرعة لخالقها ، دون أن تخور عزائمها ، أو تظهر على ملامحها وصوتها نبرة تذمر من ضعف حالها ، وقلة حيلتها أمام قضاء مكتوب يكسر أعتى القلوب ، وقدر محتوم يدمى العيون ويقرح الأجفان ، لا مفر منه ولا هروب.

لا شك أن مصابنا برحيلك يا خالد الغازي عن عالمنا جلل ، ورزية عظمى ، تدمي قلب كل من عرف ابتسامتك الملائكية وقلبك الكبير , الذي اتسع للجميع ، لكن ما يعزينا يا أيها الصديق الوفي ، والأخ الكريم ، والرفيق الصادق ، هو وجودك الآن في الفردوس مع الشهداء والقديسين الأبرار ، وأن ذكراك ستبقى خالدة في النفوس.

فوداعا ، وإلى واسع رحمة الله ، وعوض الله عائلتك الصغيرة والكبيرة خيرا وزادها صبرا وتحملاً .
وجعل دعائنا سعادة ورزقا ونعمة لك تفرح بها فى قبرك اكثر من فرحتك فى دنياك , وكان لك رب العالمين بعد الحبيب حبيبا ولدعاء من دعا لك سامعا ومجيبا وجعل لك من فضله ورحمته وجنته حظا و نصيبا , ارجع نفسك اليه راضية مرضيه وادخلها في جنته مع عباده الصالحين ، مصداقا لقوله الحق ” يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي “

وان لله وإنا اليه راجعون.

Hamidost@hotmail.
com

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد