مستشفى الغساني بفاس من أكبر محميات الجريمة في المدينة1/2

- محمد المودني .

للجريمة عناوين ووجوه وصور عديدة ومتنوعة .
.
للجريمة غايات وسبل تتكاثر مع تكاثر كتائب ذئابها .
.
للجريمة عصابات ومحميات تتعدد وتتطور مع تعدد منافذها ومواردها وتطور أدواتها وآلياتها .
.
للجريمة مواقع تتعاظم وتتغول مع تعاظم وتغول مراكز وأذرع أباطرتها وتقهقر محاربيها وضعف ويأس ضحاياها .
.
للجريمة فرائس بالجملة وبالتقسيط من كل الكائنات ومن كل الأجناس ومن كل الصفات .
.
للجريمة قوة معنوية ومادية طغت على كل الأخلاق والقيم والقوانين السماوية والإنسانية .

المجرمون مجرمون ذاتيون أو معنويون .
.
المجرمون مجرمون في البر أو في البحر أو في الجو .
.
المجرمون مجرمون في الدين والأخلاق أو في السياسة والسلطة أو في المال والاقتصاد أو في الفكر والعلم أو في الإدارة والخدمات أو في الروح والدم .
.
أو في الشفقة والرحمة .
.
المجرمون مجرمون بالجلباب والسلهام أو بالبذلة والمعطاف أو بالعمامة واللحية أو بالقبعة والشوارب الطويلة .
.
المجرمون مجرمون ولو كانوا بالوزرة البيضاء :

مساء أحد أيام شهر أبريل من سنة 2011 غادرت مقر عملي نصف ساعة قبل وقتي القانوني بعدما استأذنت في ذلك رئيستي المباشرة ، وصلت لحومتي حوالي السابعة وأربعين دقيقة مساء وكان الجو ربيعيا دافئا .

على مدخل مرآب السيارات الشبه عمودي أوقفت سيارتي المتهالكة أتحين ممرا بين أطفال الحومة المتصارعين على الكرة التي لم يكن لها غير اتجاه واحد على المنحدر .
.

انتظرت حوالي ثلاثة دقائق ولم يبق بيني وبين أسرتي إلا حوالي مئتي متر بعدها مرت خلف سيارتي سيارة أجرة صغيرة ووقفت على بعدي بحوالي عشرين مترا حيث نزل منها ركابها ( لا أتذكر عددهم ولا جنسهم ) .

بنظرة جانبية رأيت السيارة ترجع إلى الخلف بعيدة عن سيارتي ، انشغلت مع تحركات الأطفال أمام مقدمة سيارتي وفي رمشة عين تفاجأت بالطاكسي وقد أدركني من جهة نافذتي اليسرى ، تملكني الذعر الشديد والارتباك فبدأت أظغظ بيميني على المنبه وأشير بيساري لمرآة الطاكسي عساني أنقذ نفسي من هلاك محقق .
.

في لحظة قد لا تتجاوز ثانيتين أو ثلاثة ثواني تجرعت كأسا لم أتذوق طعم مرارته ولم أتخيله أبدا منذ أن أسقطني المخاض بين أدغال هذا البلد .
.

في ثوان معدودة انكسر عظام مقدمة يساري انكسارا مزدوجا وفاظت عيناي فيظانا لا إراديا وفاظت معها عيون المتحلقين حولي من نساء ورجال وأطفال وألم شريط الأحداث اللاحقة يمزق مخيلتي وأنا لم أستيقض بعد من فاجعة الصدمة التي كانت قد تقضي على ما تبقى من حياتي على بعد مئتي متر من أهلي .
.

من حسن حضي ( وإن كنت لا أتذك يوما كان لي حضا سعيدا بين سعادة الخلق ) كان أحد رجال الأمن القاطن بالحي يتكل في الهاتف النقال بالزي المدني على بعد حوالي عشرة أمتار من سيارتي لحظة فاجعتي مما سهل بتدخل منه حضور رجال اللأمن وسيارة الإسعاف التي أوصلتني لمستشفى الغساني على وجه السرعة حوالي الساعة الثامنة وعشرة دقائق مساء .
.

ما أن مددني رجلا الإسعاف ( وكانا شابين لطيفين مهذبين حنونين ) على مقعد خشبي طويل متهالك ببهو الانتظار ، ودموع زوجتي وابنتي وآهات ” حباب الله ” العارفين بطول وعمق وظلمة دهاليز المستشفيات ( كما هي ظلمة دهاليز كل الإدارات في مغربنا الحبيب ) تروي أملي في الحياة ، حتى بدأت مقدمة الشريط المرير الذي مزق آلامه مخيلتي لحظة فاجعتي تلوح خلف زجاج كتب عليه بلون الدم ” استقبالات المستعجلات ” حيث كانت توجد جثة امرأة متحركة ضخمة غليظة تتململ في وزرة بيضاء متسخة بين أركان ذلك الصندوق الزجاجي وتسرق من حين لآخر نظرات ماكرة مني ومن المتحلقين حولي من خلا ثقب وسط واجهة الزجاج .
.

وقتها أحسست ، يا إخواني يا أهلي يا احبائي يا مغاربة ، أن حياتي انتهت وإن كانت روحي باقية في جوفي ومتشبثة بشدة بجسدي .
.

في لحظة مفاجئة أشار أحد الشابين اللطيفين المهذبين بيمينه للجثة الغليظة المتململة في الوزرة البيضاء بين أركان الصندوق الزجاجي وهو يقول لها بصوت مجلجل أبهر كل المرضى المتكئين على الجدران الباردة والمتناثرين وسط بهو الاستقبالات :

(( ألشريفة واش غدخليوا السيد يجري دمو حتى يموت .
.

واش مافقلبكم رحمة .
.
؟؟ )) ، فردت عليه من خلال الثقب الزجاجي بعجرفة وصوت خشن متعال وسط ذهول كل المرضى والمصابين ورجال الأمن الخصوصي العاملين هناك :

(( ومالو .
.
أش عندو ؟ إلكان مهرس ديواه ل C .
H .
U حنا ماعندناش بلاصة الهرس هنا .
.
)) .

انحنى علي الشابان المهذبان اللطيفان الحنونان وقال لي أحدهما وللحاضرين برفق : (( حنا أعمي ماعندناش الحق نديواك ل C .
H .
U ولا لشي بلاصة خرى .
.

وداب شدوا طاكسي ووصلوا الرجل قبل ماينزف ، ما بيديناشاي عليه مسكين .
.
)) .

اقترب أحد رجال الأمن الخصوصي العاملين هناك من شقيق زوجتي وسط كل الحاضرين وقال بلطف : (( .
.
عتقوا الرجل وديواه لشي كلينيك وخا دبيعوا حوايجكوم .
.
أما إلدتيواه ل C.
H .
U يبقاوا يديوكوم من عمارة لعمارة حتى يموت .
.
وسمحولي نتوما دعرفوا .
.
)) .

فعلنا ما أشار علينا به الرجل واتجه الموكب الرهيب في أربعة سيارات بعد التاسعة ليلا إلى إحدى المصحات الشهيرة بفاس ، وما أن أدخلني الممرضون على سرير متحرك لقاعة الفحوصات بحوالي خمسة دقائق حتى حضر الطبيب المتخصص في جراحة العظام ، قيل ويقال عنه أنه أول وأقدم وأعظم جراح في العظام بفاس ، ليبدأ بذلك الفصل الدرامي الثاني من فصول مأساتي الدرامية .
.

 

(( يتبع ))

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد