مستشفى الغساني بفاس من أكبر محميات الجريمة في المدينة ( 2 )

للجريمة عناوين ووجوه وصور عديدة ومتنوعة .
.
للجريمة غايات وسبل تتكاثر مع تكاثر كتائب ذئابها .
.
للجريمة عصابات ومحميات تتعدد وتتطور مع تعدد منافذها ومواردها وتطور أدواتها وآلياتها .
.
للجريمة مواقع تتعاظم وتتغول مع تعاظم وتغول مراكز وأذرع أباطرتها وتقهقر محاربيها وضعف ويأس ضحاياها .
.
للجريمة فرائس بالجملة وبالتقسيط من كل الكائنات ومن كل الأجناس ومن كل الصفات .
.
للجريمة قوة معنوية ومادية طغت على كل الأخلاق والقيم والقوانين السماوية والإنسانية .

المجرمون مجرمون ذاتيون أو معنويون .
.
المجرمون مجرمون في البر أو في البحر أو في الجو .
.
المجرمون مجرمون في الدين والأخلاق أو في السياسة والسلطة أو في المال والاقتصاد أو في الفكر والعلم أو في الإدارة والخدمات أو في الروح والدم .
.
أو في الشفقة والرحمة .
.
المجرمون مجرمون بالجلباب والسلهام أو بالبذلة والمعطاف أو بالعمامة واللحية أو بالقبعة والشوارب الطويلة .
.
المجرمون مجرمون ولو كانوا بالوزرة البيضاء :

مساء أحد أيام شهر أبريل من سنة 2011 غادرت مقر عملي نصف ساعة قبل وقتي القانوني بعدما استأذنت في ذلك رئيستي المباشرة ، وصلت لحومتي حوالي السابعة وأربعين دقيقة مساء وكان الجو ربيعيا دافئا .
على مدخل مرآب السيارات الشبه عمودي أوقفت سيارتي المتهالكة أتحين ممرا بين أطفال الحومة المتصارعين على الكرة التي لم يكن لها غير اتجاه واحد على المنحدر .
.
انتظرت حوالي ثلاثة دقائق ولم يبق بيني وبين أسرتي إلا حوالي مئتي متر بعدها مرت خلف سيارتي سيارة أجرة صغيرة ووقفت على بعدي بحوالي عشرين مترا حيث نزل منها ركابها ( لا أتذكر عددهم ولا جنسهم ) .
بنظرة جانبية رأيت السيارة ترجع إلى الخلف بعيدة عن سيارتي ، انشغلت مع تحركات الأطفال أمام مقدمة سيارتي وفي رمشة عين تفاجأت بالطاكسي وقد أدركني من جهة نافذتي اليسرى ، تملكني الذعر الشديد والارتباك فبدأت أظغظ بيميني على المنبه وأشير بيساري لمرآة الطاكسي عساني أنقذ نفسي من هلاك محقق .
.
في لحظة قد لا تتجاوز ثانيتين أو ثلاثة ثواني تجرعت كأسا لم أتذوق طعم مرارته ولم أتخيله أبدا منذ أن أسقطني المخاض بين أدغال هذا البلد .
.
في ثوان معدودة انكسر عظام مقدمة يساري انكسارا مزدوجا وفاظت عيناي فيظانا لا إراديا وفاظت معها عيون المتحلقين حولي من نساء ورجال وأطفال وألم شريط الأحداث اللاحقة يمزق مخيلتي وأنا لم أستيقض بعد من فاجعة الصدمة التي كانت قد تقضي على ما تبقى من حياتي على بعد مئتي متر من أهلي .
.
من حسن حضي ( وإن كنت لا أتذكر يوما كان لي حضا سعيدا بين سعادة الخلق ) كان أحد رجال الأمن القاطن بالحي يتكل في الهاتف النقال بالزي المدني على بعد حوالي عشرة أمتار من سيارتي لحظة فاجعتي مما سهل بتدخل منه حضور رجال اللأمن وسيارة الإسعاف التي أوصلتني لمستشفى الغساني على وجه السرعة حوالي الساعة الثامنة وعشرة دقائق مساء .
.
ما أن مددني رجلا الإسعاف ( وكانا شابين لطيفين مهذبين حنونين ) على مقعد خشبي طويل متهالك ببهو الانتظار ، ودموع زوجتي وابنتي وآهات ” حباب الله ” العارفين بطول وعمق وظلمة دهاليز المستشفيات ( كما هي ظلمة دهاليز كل الإدارات في مغربنا الحبيب ) تروي أملي في الحياة ، حتى بدأت مقدمة الشريط المرير الذي مزق آلامه مخيلتي لحظة فاجعتي تلوح خلف زجاج كتب عليه بلون الدم

” استقبالات المستعجلات ” حيث كانت توجد جثة امرأة متحركة ضخمة غليظة تتململ في وزرة بيضاء متسخة بين أركان ذلك الصندوق الزجاجي وتسرق من حين لآخر نظرات ماكرة مني ومن المتحلقين حولي من خلال ثقب وسط واجهة الزجاج .
.
وقتها أحسست ، يا إخواني يا أهلي يا احبائي يا مغاربة ، أن حياتي انتهت وإن كانت روحي باقية في جوفي ومتشبثة بشدة بجسدي .
.
في لحظة مفاجئة أشار أحد الشابين اللطيفين المهذبين بيمينه للجثة الغليظة المتململة في الوزرة البيضاء بين أركان الصندوق الزجاجي وهو يقول لها بصوت مجلجل أبهر كل المرضى المتكئين على الجدران الباردة والمتناثرين وسط بهو الاستقبالات : (( ألشريفة واش غدخليوا السيد يجري دمو حتى يموت .
.
واش مافقلبكم رحمة .
.
؟؟ )) ، فردت عليه من خلال الثقب الزجاجي بعجرفة وصوت خشن متعال وسط ذهول كل المرضى والمصابين ورجال الأمن الخصوصي العاملين هناك : (( ومالو .
.
أش عندو ؟ إلكان مهرس ديواه ل C .
H .
U حنا ماعندناش بلاصة الهرس هنا .
.
)) .
انحنى علي الشابان المهذبان اللطيفان الحنونان وقال لي أحدهما وللحاضرين برفق : (( حنا أعمي ماعندناش الحق نديواك ل C .
H .
U ولا لشي بلاصة خرى .
.
وداب شدوا طاكسي ووصلوا الرجل قبل ماينزف ، ما بيديناشاي عليه مسكين .
.
)) .
اقترب أحد رجال الأمن الخصوصي العاملين هناك من شقيق زوجتي وسط كل الحاضرين وقال بلطف : (( .
.
عتقوا الرجل وديواه لشي كلينيك وخا دبيعوا حوايجكوم .
.
أما إلدتيواه ل C.
H .
U يبقاوا يديوكوم من عمارة لعمارة حتى يموت .
.
وسمحولي نتوما دعرفوا .
.
)) .
.
( C.
H.
U = المركز الاستشفائي الحسن الثاني ) .
فعلنا ما أشار علينا به الرجل واتجه الموكب الرهيب على متن أربعة سيارات بعد التاسعة ليلا إلى إحدى المصحات الشهيرة بفاس ، وما أن أدخلني الممرضون على سرير متحرك لقاعة الفحوصات بحوالي خمسة دقائق حتى حضر الطبيب المتخصص في جراحة العظام ، قيل ويقال عنه أنه أول وأقدم وأعظم جراح في العظام بفاس ، ليبدأ بذلك الفصل الدرامي الثاني من فصول مأساتي الدرامية .
.

كانت الساعة تشير إلى حوالي السابعة والنصف مساء ( إذا صدقت ذاكرتي ) من يوم الإثنين 13 يناير

( 2014 ) حينما رن هاتفي الخاص وأنا في مقر عملي منهمك بتركيز شديد في إنجاز عمل جد دقيق وفي غاية الأهمية ( مهنيا ) ، ألقيت نظرة جانبية سريعة على شاشة الهاتف .
.
لم يكن سوى رقم هاتف أسرتي ، تجاهلته ظنا مني أن أحد أفرادها يريد فقط الاطمئنان علي كما جرت العادة يوميا .
.
توقف رنين هاتفي وبقيت أنتظر رنين الهاتف الوظيفي الذي انتظرته منذ حوالي الساعة السادسة مساء ( قبل ما يزيد عن ساعة ونصف ) لإتمام العمل الدقيق المهم الذي كلفت بإنجازه قبل الساعة الثامنة مساء .
لم يرن ذلك الهاتف الوظيفي فحاولت الاتصال بالطرف الآخر كما فعلت عدة مرات قبل ذلك ، فبقي يرن إلى أن انقطع الخط .
وقبل أن أضع السماعة وأنا في حالة غضب وتوتر شديدين عاد هاتفي الخاص للرنين من جديد ، وكانت الساعة حينها قد تجاوزت السابعة وأربعين دقيقة .
التقطت الهاتف الصغير ببطئ وفتحت خطه بلهجة متثاقلة .
وقبل أن أسلم على طالبي ب ” السلام عليكم ” سمعت صوت زوجتي ، مبحوحا تقطعه شهقات وزفرات متسترة خلف كلمات ليست هي الكلمات ، يستغيث بي : (( .
.
ألسي .
.
لاتخافش وماتخلاعش .
.
احنا فمستعجلات الغساني ، إلاساليتي من الخدمة أجي عندنا .
.
)) .
.
قاطعتها بسرعة ، وقد تضاعفت سرعة دقات قلبي وفقدت تركيزي وجفت شفتاي وارتعشت يدي اليسرى المنكسرة واغرورقت عيناي .
.
: (( ياك لاباس أللا ، خير إنشاء الله .
.
؟؟ .
.
)) ، ردت علي بلهجة شبه باكية وبشجاعة جريحة منكسرة : (( .
.
خير ، خير إنشاء الله غير ماتخافشي راه كولشي لباس .
.
وبلا مادحرك الطنوبيل راه الصوكان صعيب عليك فالليل والشتا والزحام وانتا ماعندك صحة .
.
بشوييا عليك ، حتا دلقا الطاكسي عاد أجي وبلا ما دخاف .
.
)) ، انقطع الخط فجأة وكانت الساعة حوالي السابعة وخمسة وأربعين دقيقة .
خانتني شجاعتي وسيطر علي الارتباك والشرود وتملكني رعب شديد .
.
وتاه خيالي بين مخافر الشرطة والمستشفيات والأطباء والصيدليات والمحاكم والمحامين ، و و و .
.
وبين السين والجيم ، وبين من أنت ومن تكون ومن أين أنت ، وبين اذهب وارجع .
.
وبين الألم والأنين ، وبين البكاء والصراخ ، وبين الجوع والعطش ، وبين الحر والقر ، وبين النوم والأرق .
.
وبين الحق النحيل والباطل الغليظ .
.

ماهي إلا دقائق معدودة ، ودون أن أعي كيف وصلت ، حتى وضعت قدماي على عتبة مدخل بهو المستعجلات حيث وجدت زوجتي وإلى جانبها امرأتين وثلاثة رجال ، أعرف أنهم من حينا ، متحلقين أمام طاولة صغيرة يجلس على كرسي خلفها رجل أربعيني وقد وضعت أمامه وريقات مخططة يكتب ببطئ رتيب على إحداها .
وبداخل البهو تظهر أجساد بشرية كثيرة بوجوه شحيبة بئيسة متناثرة في الأركان والوسط وأخرى تدعم الجدران وبعضها الآخر تتزاحم أمام حارس أمني خاص على باب مكتب كتب عليه بالأزرق ” طبيب المداومة ” .
.
بعدما حييت الواقفين أمام الطاولة ب ” السلام عليكم ” قالت لي زوجتي بصوت منخفظ حزين ، والدموع قد هزمت شجاعتها منزلقة ببطئ من عينيها وهي تقبض بيمينها على ورقة نقدية من فئة مئتي درهم وبيسارها على أخرى من فئة عشرين درهم ، : (( دخول .
.
دخول حتا نخلصوا حنا تمان الراديو .
.
ماقبلوشي مني ومن جيرانا ومن الناس كولهم لميتييول .
.
)) .
بسملت ودخلت وركبتاي ترتعشان وأسناني تسطك ومازلت لم أعرف بعد قدري وما الذي أبكى أم أبنائي وأوحى لخيالي بالتيه بين أدغال حياتي .
.

على يساري في ركن بين بابين كانت البنت ” عتاب ” تترنح بين التمدد والجلوس على كرسي طويل وكأنها جالسة على الجمر وقدماها الحافيتان العاريتان شبه مرميتان على الأرض الباردة بجانب حذائها لا تقوى على تحريكهما وكأنهما لم يعودا جزء منها وقد انتفخ كحيلاهما انتفاخا شديدا ، وجسدها النحيل يرتعش بقوة داخل معطاف جلدي بسيط ووجهها النحيف أخذ شيئا من الزرقة والصفرة ، وتكور لسانها بين شفتيها والدموع ملأت عينيها .
.
تشجعت على إخفاء دموع قلبي فانحنيت عليها وقبلت جبينها ولامست برفق ولطف رأسها ، أحسست حينها بقطرات رحمة ربنا تروي قلبي وتبعث في جسدها القوة والدفئ وتعيد لوجهها شيئا من احمراره الطبيعي بعدما علته الفرحة البسيطة التي أفاظها اطمئنان قلبها الصغير الذي مازال ينبظ بحب الحياة بين ضلوعها الفتية .
.
ابتسمت ، ثم ابتسمت في خجل فضعف ضعفي وتقوى أملي واستعدت شيئا من شجاعتي وجلدي .

على يميني وسط البهو قبالة البنت ” عتاب ” وعلى سرير متحرك جد متسخ كانت تتمدد البنت ” إكرام ” شريكة ” عتاب ” في المحنة وزميلتها في الدراسة والفصل وصديقتها منذ سنتهما الأولى ابتدائي .
.
ياله من منظر فظيع ورهيب .
.
دم ، ودم يطلي معظم أطراف جسدها ، ووجه لم يعد له لون ودموع لا تتوقف .
منظر البنت وحالتها النفسية والعضوية يمزقان الأكباد ويذيبان القلوب ولو كانت من الفولاذ وهي تغرق بين تلاطم أمواج القدر وقساوة الزمن الرديء وجشع ذئاب الوطن وتكالب كلابه على شعبه .
.
ابتسمت في وجهها ابتسامة عريضة عساني أخفي بها عنها ارتعاش أطرافي ودواخلي .
.
دنوت منها ، بعدما حييت في صمت المرأة الصامدة بوقارها إلى جانب سريرها وهي تبتلع صدمتها وتلعق دموعها ، وقلت لها بصوت شبه خافت وأنا ألامس رأسها بلطف وأحاول ترتيب بعضا من شعيرات شعرها المتلاشية على حافة السرير المتعفن : (( لباس على بنتي الغزالة ،، لباس عليك .
.
ماتخافيش أبنتي الله معاكم يرعاكم برعايته الواسعة ،، لا يصيبنا إلا ما قدره علينا .
.
له الحمد وله الشكر على كل حال وفي كل الأحوال .
.
)) .
ابتسمت البنت في هدوء وعلى مضض من االخوف والعياء الرهيبين وهي تحاول تجفيف دموع جفون عينيها الذابلتين بباطن كفها الأيمن ثم قالت بصوت يكاد لا يسمع ، وقد بدت فرحتها بالأمل في استمرار حياتها على وجهها حيث بدأ الاحمرار يعوض الاصفرار والزرقة على وجنتيها : (( الحمد الله ، الحمد الله .
.
ادعي معنا ، ادعي معنا بزاف أعمي الله يخليك .
.
أنا أعمي جبذوني الناس من تحت رواييض الطنوبيل .
.
طنوبيل 207 داك الكبيرة .
.
طنوبيل ديال المدرسة ، مدراسة الصقيلي اللي فواد فاس .
.
حنا أعمي غير ربي زاد فعمرنا ونجانى من يد الموت .
.
الحمد الله .
.
)) .
كانت كلمات متقطعة تجمد سريان الدم في عروق كل جسم به عروق وقلب بشري .
.

حضرت زوجتي والمرأتان والرجال الثلاثة ، وبين يديها ورقتين صغيرتين لا تبدو عليهما أية قيمة تفاديت الاطلاع عليهما ، وقالت لي وقد أخذ منها الخوف الرهيب والارتباك والعياء الشديدان الشيء الكثير من شجاعتها وقوتها وصمودها : (( هدوما زوج تواصل على خلاص تصاور الراديو اللي غيديروا للبنات بزوج على رجليهيم .
.
120 درهم للوحدة ،، وماقبلوش منا لميتييول .
.
)) ، قاطعها ” حميد ” – أحد الرجال الثلاثة – بعدما لاحظ ارتباكها وعيائها وتدخل في الحوار بصوت يحمل بين طياته سخطا ويأسا وتذمرا لا حدود لهم : (( .
.
احنا ، السي محمد ، تقريبا هاذي زوج سوايع وحنا تنساينوهم وتنرغبوهم يقلبونا البنات ويديرونا ليهم التصاور وهوما تيتهربوا : مرة باللي مزال ماكيينشي الطبيب اللي يقلبهوم ، ومرة يقولونا مزال ماكيينشي صاحب الصندوق اللي يتخلص فتمن الراديو ، ومرة يقولونا مزال ماكيينشي اللي يديرلهم التصاور .
.
ومرة يقولونا البنات باين عليهم ماعندم والو غير اديوهوم لديورهم ودهنولم بشويا ديال بيطادين .
.
مقبلوا يديروا التصاور حتى عرفونا ماغديش نتفارقوا معاهم .
.
)) قاطعه أخوه

” سليمان ” بلهجة مثقلة بالكثير من الحيرة والمرارة حيث قال بصوت عنيف : (( .
.
واللي محييرني بزاف ومابغاش يتفهاملي كيفاش عرفوا البنات وهما عاد وصلوا ،، حيت غير نزلناهم من لبيلانص فالباب وحاد السيكيريتي يقلنا واش هاد البنات هما اللي وقعثلوم لكسيدا قدام البوليفالون .
.
)) ، عاد ” حميد ” ليقاطعه موضحا له ولنا جميعا : (( هوا ، هوا أصحبي .
.
مول الطنوبيل هوا اللي علمهم بالتليفون ووصاهوم باش مايدوهاش فينا .
.
)) ، تدخل ثالث الرجال ” الحاج عبد السلام ” ( أظن أن إسمه عبد السلام ، لكني متأكد أنه الحاج ) بصوت هاديء وخافت : (( هداك ” الصقلي ” وملا يعرفه .
.
قادر على كولشي .
.
)) ، رد عليه ” سليمان ” : (( أصحبي بحال داك الناس تيحسبوا راسم هما ” فرعون ” وما تيعترفوش بوجود البشر .
.
سماعتوه منين جا يحضر فالكوسطا وقال ياك البنات ماماتوش ومالكوم دايرين جقالات والفضيحة )) ، فرد عليه الحاج ” عبد السلام ” بتهكم :

(( واش بعدا هم تيعتارفوا بوجود الله ؟؟ بقى غير يعتارفوا بوجود الناس غيرهوم .
.
)) .
.
في هذه اللحظة وقف إلى جانبنا شاب وعلامات البؤس مرسومة على وجهه ، ظننته من حراس الأمن الخاص العاملين هناك ، وأخذ يجر سرير ” إكرام ” لإدخالها لغرفة الفحص فساعدناه على جر السرير المتسخ لإدخال البنت لتلك الغرفة المتعفنة التي تبدو كإسطبل مصغر لاعتقال الخنازير ، وما أن أوصلناها وهي ممددة إلى جانب آلة التصوير الإشعاعي المتهالكة وهي أكثر اتساخا من السرير والغرفة حتى أمرنا بالخروج ففعلنا وأغلق الباب .
.
بعد دقيقتين أو أقل فتح الباب وأمرنا بإخراج البنت وهو يقول لنا وللجميع بصوت مرتفع

وبلهجة الواثق من نفسه ومما أنجزه : (( ياك احنا عيينا نقولولكوم البنات ماعندم والو غير اديوهم لديورهم وانتما لصقين ، هانا غنخرجلكوم التصويرا ودشوفوا بعاينيكوم .
.
ومن بعد نشوفوا انقلبوا البنت لوخرا .
.
)) .
بعدما شاهدت وسمعت ردة فعله وتعليقه وتحليله وما لاحظته على ملامح وجهه والتقاعس الظاهر على تحركات كل العاملين ونظرات كل المرضى المشردين على الأرض بين أرجلهم ، وعلى ضوء ما سمعته من زوجتي ومن الرجال الثلاثة ، وعلى ضوء ما عايشته شخصيا هناك عند مصيبتي الأولى ، وما قيل ويقال دائما وكل يوم ومنذ عقود على لسان تعساء المغاربة الذين تدفعهم الأقدار إلى ولوج هته ” المسلخة ” وعلى صفحات معظم الجرائد الورقية والمواقع الإلكتروني .
.
على ضوء كل ما سمعت ورأيت وعايشت وقرأت بالصوت وبالصورة وبالكلمة استدرت نحو الرجل الذي حاول ويحاول أن يوهمنا بصفته ( التي قد تكون مزيفة ) وبصدقه وبجديته الأكيد زيفهما وسألته بلطف : (( ألشريف واش أنتا مدير الغساني ؟ )) تفاجأ بي وبكلامي وبسؤالي وبدا عليه الارتباك ، ورد علي بتلعثم : (( لا )) ، سألته ثانية : (( واش انتا طبيب فهاد المستعجلات ؟ )) بنفس الارتباك والتلعثم رد علي : (( لا )) ، ثم سألته مرة ثالثة : (( واش انتا التقني اللي متخصص فالتصوير بالأشعة ؟؟ )) تردد في الجواب ثم قال بخجل : (( نعم ، وانتا شكون ؟)) بصوت مرتفع شيئا ما أجبته عل مسمع كل الموجودين وباستهزاء :

(( أنا المواطن المغربي اللي تيخلصك فآخر كل شهار ، مالك ماعجباكش الحال .
.
وأخاي ديالي منين ما انت مدير السبيطار ولا طبيب ، وما عرفت واش فعلا تقني السكانير ولا لا علاش نازل تدشنت علينا وتعطينا فالدروس اللي باين عليك ما عارف فيها والو ، واش انت شغلك فهاد الشي اللي قولتي كلو .
.
انتا اعطيناك ورقة الطبيب وتوصيل الخلاص خصاك ادير خدمتك ولا أنا غلطان .
)) .
تقزم طول وعرض الرجل وتسارعت تغييرات ألوان وجهه وطأطأ رأسه ثم دخل لغرفة تحليلات الصور دون أن ينطق بكلمة واحدة .
.
.
(( يتبع ))

 محمد المودني ( فاس ) ، فاس .
.
والويل في فاس .

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد