الطريق الى حيث أنا(2)

ابراهيم ايت ابراهيم

يستلقي تحت شجرة الجوز تلك، التي تجاوز عمرها الثمانين، يدك البطارية الصغيرة ويضعها في مكانها بعد أن تأكد من كونها صالحة بلسانه، يبحث عن موجات الراديو القريبة له فيستقر على بعض الموسيقى الكلاسيكية، مرفوقة بالضجيج، يغلب عليه النوم فيغوص في أعماق الوهم منتظرا الشروق أو الغروب، فهما سيان حين تغيب المعاني.

حين كان في سنواته الأولى، كان الكهرباء حكرا على الميسورين، كانت الزيت تشريفا، من أهداك لترا أو حتى بضع قطرات من زيت الزيتون فذلك دليل على قيمتك الكبيرة بالنسبة له، تشتعل الأنوار عند القلة القليلة التي كانت تمتلك بطاقة الوطن، في وقت يقيمون جلسات مطولة حول الظلام والنار، حولها نسجت أساطير الأفلام وقصص الرعب والأبطال، حولها تربى البعض على الخوف من الليل، والبعض على الصمت، تحكي الجدة رواية اللابداية وتستمر معها الى أن تتوفاها المنية فيرث السرد عنها الأبناء ، جميلة تلك الجلسات الآن ونحن نجلسها سياحة ونمدح البساطة، لم نرى احمرار العيون ، لم نحس برجفة الجفون، فنحن نصور وننشر الجمال، وندعي أن ما عاشوه كمال، وحياة البعض انتهت بسكتة قلب وسط الركام .
.

وصلت خيوط الكهرباء بعد طول انتظار، أخمدت دموع الشموع، وتلون قطع النقد فوق قنينات الغاز، واحتراق قطعة الثوب المبللة بالبنزين وسط بركة فانوس نحاس بالي، يشتعل مرة في السنة لقدوم ضيف أو لمناسبة بالدوار، جلب قدوم المصباح شرا، لا مفر منه خلص المنازل من رائحة القطران، خلصها من الحبال والدلو، جلب مضخات ماء، نبذر منه الكثير دون عناء.
.
.

تجاوب مع الأيام والسنين والأوهام بضمير غائب، تطاول على الآلام والأحلام وكثرة الكلام بتعبير كاذب، يوم الأحد حيث العطلة يعمل ويشقى كي ينعم بسنتيمات، لن تكون إلا علكة وحلويات، تمضغ وتبتلع معها مرارة الماضي، ينتهي اليوم ويكون من الماضي، يدخل الإثنين ويتبعه الثلاثاء ويدون التاريخ الأيام ثانية بثانية، دقيقة بدقيقة ولا شأن له بما يحدث، كان عاصفة أو إعصارا، أو حتى زلزالا، فكيف له أن يتذكر من لا يسمع ضجيجه للسراب، ولا ينتج عنه لا غبار ولا خراب.

ينظرون الى السماء جلها زرقاء، يفترشون صخورا شبه مستوية فوقها قطع كرتون أو أكياس إسمنت، ينتظرون المساء منذ الصباح، تحث أطلال “إغرم” الآيلة للسقوط، يوم الأحد، لا أحد، لا شيء، لا غير ولا تغيير، لا عمل ولا دراسة ، لا مفر من جلسات اللاشيء، على طريق الإسفلت الشبه معبدة تمر قافلة من الدراجات الهوائية، هي قافلة من السياح، يثيرهم المنظر العجيب، كان الوقت ظهيرة، كل الشمس مستقرة وسط السماء، من فوق دراجتها تنزل سائحة شقراء، تزيل نظارتها الشمسية، لا أحد يحرك ساكنا، أفواه مفتوحة أعين لا تكان ترمش، دون أية كلمة، تأخذ من حقيبتها الذهبية أقلاما ملونة وعلب حلوى غربية، تفرقها عليهم بالتساوي،.
تلتقط صورة تذكارية معهم ومع الجدران الآيلة للسقوط، تركب دراجتها وتستمر في طريقها دون رجعة.
يمسحون دموعهم بقطع الحلوى الغربية ويعودن الى جلسات اللاشيء في إنتظار الرياح الشرقية كي تعكر صفو الأجواء من جديد.

يحين وقت الغذاء، أو لا يحين، تتجلط الأمعاء الفارغة وتعيد امتصاص ما فيها، علها تجد فيها ما يحرك سكون الخلايا، أتذكر مقولة أحدهم ولا أتذكر اسمه البتة ” لم يعد الجوع يقتل ” أستجمع ضعفي كله وأستمر في الطريق، لا يقتل الجوع! ما القاتل إذن؟ هم مدفون، غدر معفون، حق مسلوب، شعب مغلوب، لا ليس علي طرح هكذا سؤال فقد مات وقتل بسببه أسود، والظلم مازال يسود.
.
.

يستيقظون فجرا، يتخلون عن ساعات من الحلم الدافئ، يغادرون دون إحداث أي ضجيج، في رحلة الثروة القذرة، كما لم يروا قنوات الجغرافيا، ولم يدرسوا في كتب التاريخ.
لا يشعرون ببرودة ندى الصباح، ولا يرون احمرار آذانهم المتجمدة من الصقيع.
في جيوبهم قطع تين فقدت الحلاوة، تبدوا أطرافهم بين الأحذية المتقطعة خشنة متقشرة، وهم يتسلقون أدراج الهضاب والتلال، عن ماذا يبحثون؟ “تايلالوت” نبتة خضراء أو بالأحرى زهرة بأشواك لا علم لهم إلا أنها تباع!

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد