هبة زووم – الرباط
في مشهد بدا أقرب إلى عرض دعائي منه إلى كشف حساب واقعي، أطل يوسف شيري، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، على مشاهدي برنامج “شباب في الواجهة” بالقناة الأولى، متحدثًا عن “منعطف تاريخي” في ملف الشغل، ومبشرًا بـ”رؤية جديدة” تتعهد بخلق مليون و400 ألف منصب شغل. تصريحات وُصفت من طرف مراقبين بأنها امتداد لنمط لغوي مألوف لدى المسؤولين: كثير من الطموح، قليل من الأثر.
شيري، الذي تحدث بنبرة الواثق من الأرقام، استند في حديثه إلى خارطة طريق حكومية جديدة قال إنها ترتكز على أسس عملية وتصور متكامل. لكن ما لم يقله، أو تجنّب الخوض فيه، هو أن هذه “الأسس” كثيرًا ما انهارت تحت ثقل الواقع، خاصة مع استمرار النزيف الاقتصادي، وجمود الاستثمار، وضعف مواكبة المقاولات الصغرى التي يُفترض أن تشكّل العمود الفقري لأي رؤية تشغيلية حقيقية.
فور بث الحلقة، اندلعت ردود فعل غاضبة على المنصات الاجتماعية، حيث تساءل كثير من المتابعين: من أين ستأتي الحكومة بكل هذه المناصب في ظل أفق اقتصادي غائم؟ وكيف يمكن للرؤية الجديدة أن تنجح حيث فشلت مشاريع سابقة كـ”مقاولتي” و”إدماج” التي لم تخلّف سوى خيبات وأزمات لدى آلاف الشباب؟ هل المطلوب من المغاربة أن ينسوا تلك التجارب المأساوية ويثقوا مجددًا في وعود تُستهلك إعلاميًا أكثر مما تُخطط عمليًا؟
وفي مفارقة لافتة، تحدث شيري عن “التقائية السياسات العمومية” كأن التنسيق بين القطاعات أصبح حقيقة مفعّلة، متغاضيًا عن عشرات التقارير الرسمية، أبرزها تقارير المجلس الأعلى للحسابات، التي أماطت اللثام عن تبديد المال العام بسبب غياب هذا التنسيق، وازدواجية البرامج، وتكرار نفس الأخطاء بسياسات تُعاد تدويرها في كل ولاية حكومية.
المثير أن الخطاب السياسي المتعلق بالتشغيل غالبًا ما يُبنى على ثنائية: أرقام تفوق الخيال، وواقع يتحدى التصديق. وعود ترتفع كلما اقتربت محطة انتخابية، ثم تتبخر سريعًا أمام أول اختبار ميداني.
وهكذا يتحول ملف التشغيل إلى ساحة للتوظيف السياسي، بدل أن يكون مدخلًا للعدالة الاجتماعية وتمكين الشباب من الكرامة والعيش الكريم.
اللافت أيضًا أن هذه التصريحات لم تأتِ في مؤتمر اقتصادي أو في ندوة تخصصية، بل في برنامج موجّه أساسًا إلى فئة الشباب، وكأن الهدف ليس الشرح والتوضيح، بل الترويج والتسويق. وهو ما دفع عدداً من المهتمين إلى اعتبار الخطاب مجرد واجهة براقة تخفي عجزًا حقيقيًا عن تقديم بدائل عملية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الأرقام التي تحدث عنها شيري أقرب إلى عُملة خطابية تُستخدم عند الحاجة، دون ضمانات للتنزيل، أو قدرة على الصمود أمام أسئلة الواقع.
وبذلك، يتأكد أن معضلة التشغيل في المغرب ليست فقط أزمة إمكانيات، بل أيضًا أزمة صدقية في الخطاب، وثقة مهدورة بين المؤسسات والمواطنين.
تعليقات الزوار