إعفاء بلمعطي يفجر أزمة داخل “أنابيك”: صراع نفوذ أم محاسبة أداء؟
هبة زووم – محمد خطاري
في خطوة مثيرة للجدل، وقع رئيس الحكومة عزيز أخنوش على مرسوم إعفاء إيمان بلمعطي من منصبها كمديرة عامة للوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات “أنابيك”، واضعًا بذلك حدًا قانونيًا مؤقتًا لجدل ظل يتصاعد منذ شهور بين هذه الأخيرة ووزير الإدماج الاقتصادي والتشغيل يونس السكوري.
غير أن إعفاء بلمعطي لم يكن سوى بداية لمعركة أعمق تدور رحاها في أروقة واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في المغرب.
شكوى قضائية وتصعيد غير مسبوق
في سابقة من نوعها، تقدمت بلمعطي بشكاية رسمية إلى وكيل الملك بالرباط، تتهم فيها الكاتبة العامة للوزارة بارتكاب أفعال “خطيرة” تشمل انتحال صفة منظمة قانونًا، واقتحام مقر إداري عمومي، ومزاولة مهام بدون سند قانوني، ما يعكس توترًا استثنائيًا بين القيادات الإدارية في قطاع يفترض أن يكون من أكثر القطاعات تنسيقًا وانسجامًا.
هذا التصعيد القضائي جاء عقب قرار السكوري بإعفاء بلمعطي يوم 20 يونيو، في إجراء تمت تزكيته بمرسوم من رئيس الحكومة بتاريخ 24 من الشهر ذاته، ليتولى المكتب بالنيابة، وبشكل مثير، مسؤولية التسيير من داخل مؤسسة باتت تئن تحت وطأة الصراعات والولاءات.
محاسبة أداء أم تصفية حسابات؟
رغم تبرير الإعفاء بـ”ضعف الأداء” و”عدم التجاوب مع ملاحظات الرقابة”، حسب ما أفادت به مصادر من الوزارة، إلا أن تقارير أخرى تفيد أن القرار كان محسوم سلفا، حيث كان الوزير يخفي رغبة سياسية مبيّتة في تعيين مستشارة الوزير السابق للتعليم العالي المعفى، والتي سبق أن تم إعفاؤها بقرار ملكي من منصب حساس، ورفض تعيينها في موقع دبلوماسي بسبب تحفظات رسمية.
وتطرح هذه الخطوة أسئلة محرجة حول منطق تدبير المناصب العليا بالمغرب، ومدى احترام معايير الكفاءة والاستحقاق في مقابل الولاءات السياسية والشخصية.
أنابيك من منصة للتشغيل إلى ساحة لتصفية الحسابات
تحوّلت الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل، في ظل هذا النزاع، من مؤسسة يُفترض أن تضطلع بدور مركزي في تنفيذ خارطة الطريق الخاصة بالتشغيل، إلى ساحة مفتوحة لصراع النفوذ و”استعراض العضلات الإدارية”، في وقت يعيش فيه المغرب موجة بطالة مرتفعة وتذمرًا اجتماعيًا متناميًا وسط الشباب.
ويعتبر مراقبون أن هذا النزاع يعكس خللاً بنيويًا في علاقة الحكومة بمؤسسات التشغيل، بل ويُعبّر عن انفلات في منطق التدبير العمومي، في ظل صمت واضح لرئيس الحكومة، الذي اكتفى بتوقيع مرسوم الإعفاء دون توضيح يبدد الضباب الكثيف المحيط بالقضية.
تعيينات مشبوهة وغياب للمساءلة
ورغم الجدل المتصاعد، تصر بعض الجهات داخل الوزارة على تمرير تعيينات تحوم حولها الشبهات، في وقت يفترض فيه أن تكون مناصب المسؤولية العليا نتاجًا لمساطر شفافة ومعايير صارمة تضمن الكفاءة وتكرّس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
لكن ما يقع حاليًا في “أنابيك” يعيد إلى الواجهة مخاوف قديمة جديدة من سيطرة “لوبيات التعيينات”، التي تعبث أحيانًا بثقة المواطنين في جدية المؤسسات، وتحول مناصب الدولة إلى غنائم تُوزع بين المحظوظين من “أصدقاء الوزراء”.
بين عبث السياسة وصمت الدولة… من يحمي المؤسسات؟
إن ما يجري اليوم داخل “أنابيك” ليس مجرد خلاف إداري، بل تجسيد لأزمة حوكمة عميقة، وفشل في تدبير الانتقالات بين المسؤولين، وغياب لثقافة المؤسسات.
كما أن عدم تدخل القضاء بحزم في حماية الشرعية قد يبعث برسائل سلبية لمجتمع يتابع باهتمام بالغ تفاصيل ما وصفته مصادر بـ”فضيحة التعيينات الانتقائية”.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل يتم إعمال القانون بحزم وإنصاف؟ أم أن التعيين في المناصب العليا سيظل خاضعًا لمنطق “من تروقهم الوزارة”؟
سؤال ينتظر إجابة من الجهات العليا، كما ينتظر معها الآلاف من الشباب العاطلين من أبناء هذا الوطن حلولاً حقيقية لا مزيدًا من الفوضى والارتجال.