هبة زووم – محمد خطاري
هزّت فاجعة انتحار الأستاذ معاذ بلحمرة، حديث التعيين بمديرية مولاي رشيد بالدار البيضاء، الضمير التربوي والحقوقي في المغرب، بعدما ألقت الضوء على الواقع المأساوي الذي يعيشه عدد من أساتذة التعليم العمومي في ظل الضغوط الإدارية، والتكليفات العشوائية، وغياب أي سند نفسي أو مهني حقيقي.
الراحل، الذي قاده القدر لتدريس تلاميذ ثلاث مؤسسات متباعدة جغرافياً داخل ثلاث جماعات ترابية، وجد نفسه محاصرًا بقرارات إدارية مرهقة، قبل أن يُفاجأ بقرار توقيف مؤقت عن العمل على خلفية شكاية تتهمه بالعنف تجاه تلميذ، دون أن تُفسح له الإدارة المجال لمواجهة الاتهام أو تقديم روايته.
توقيف بلا استماع.. وأجوبة بلا شفافية
وبالرغم من نفي المديرية الإقليمية خبر توقيف أجره الشهري، فإن وثيقة رسمية تم تداولها تؤكد قرار التوقيف، ما أثار جدلًا واسعًا حول مصداقية المؤسسة وسرعة إصدار العقوبات قبل التحقق والتثبت.
النقابات التعليمية، والمنظمات الحقوقية، وصفت ما جرى بـ”العقاب الإداري القاسي”، معتبرة أن طريقة تدبير الملف كشفت عن أزمة عميقة في الفهم المؤسساتي لكرامة نساء ورجال التعليم، مشددة على أن هذا “الانتحار الوظيفي” ليس حادثًا معزولًا، بل هو صرخة من داخل الجرح المفتوح للمدرسة العمومية.
أزمة موارد بشرية أم مأساة صمت إداري؟
جمعيات حقوقية، من بينها فرع المنظمة المغربية للعدالة وحقوق الإنسان بعين السبع – الحي المحمدي، أدانت ما وصفته بـ”الأسلوب القمعي والمتسرع” في التعامل مع الشكايات، وحذّرت من تحول الإدارة إلى طرف عقابي بدل أن تكون حاضنة مهنية وإنسانية للموظفين، خاصة في قطاع حساس كقطاع التربية والتعليم.
من يحمي الأستاذ من الانهيار؟
تُعيد هذه الفاجعة المأساوية طرح أسئلة مؤلمة حول السلامة النفسية داخل المنظومة التعليمية، وحول غياب مراكز الدعم النفسي، ومحدودية ثقافة الإنصاف الداخلي، مما يجعل أي شكاية – حتى وإن كانت كيدية – كفيلة بدفع الأستاذ إلى حافة الانهيار، خاصة في ظل غياب أي بنية مواكبة.
المطلوب اليوم ليس فقط فتح تحقيق إداري نزيه في حيثيات الوفاة، بل إعادة النظر بشكل جذري في مقاربة تدبير الموارد البشرية داخل التعليم، بدءاً من توزيع المهام، مروراً بآليات الإنصات والتظلم، وصولاً إلى ضرورة إدماج المقاربة النفسية في التكوين الإداري.
دم معاذ… رسالة مفتوحة للوزارة
إن رحيل معاذ بلحمرة ليس رقماً يُضاف إلى خانة الوفيات المهنية، بل رسالة مكتوبة بالدم إلى كل مسؤول لازال يتعامل مع ملف الأستاذ من زاوية “الرقم التأجيري” أو “الوظيفة”، متناسيًا أن المدرسة لا تُبنى بالعقوبات، بل بالإنصاف، والدعم، والرؤية الإنسانية.
إذا كانت الوزارة تعتبر الأستاذ فاعلاً محورياً في إصلاح المنظومة، فقد حان الوقت لأن تنقذ ما تبقى من الثقة، وتُرسي فعلاً بيئة مهنية تليق بمن يُكلّف بتنشئة الأجيال.
تعليقات الزوار