هبة زووم – محمد خطاري
في مغرب اليوم، حيث تُرفع الشعارات حول “دولة الفرص” و”تشجيع المبادرة الذاتية”، تغلق آلاف المقاولات الصغيرة جدًا والصغرى أبوابها بصمت مؤلم. لا يتعلق الأمر بأرقام جامدة في تقارير مؤسسية، بل بحيوات اقتصادية تنهار، وشباب يفقدون إيمانهم بالدولة وبرامجها “الواعدة”.
فبحسب عبد الله الفركي، رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة، فإن عدد المقاولات المفلسة سنة 2024 بلغ 40 ألف مقاولة، مع توقعات أكثر تشاؤمًا ببلوغ سقف 50 ألف حالة إفلاس مع نهاية 2025. أرقام تنذر بأزمة هيكلية لا يُمكن إخفاؤها خلف عبارات التفاؤل المؤسساتي.
المفارقة أن هذه الأرقام لا تتطابق مع ما قدمته الهيئة المغربية للمقاولات الصغرى والمتوسطة، والتي اكتفت بالحديث عن 33 ألف حالة إفلاس سنة 2024، ما يطرح تساؤلات جوهرية: من نصدق؟ ولماذا لا توجد آلية موحدة وشفافة لرصد هذه الكارثة الاقتصادية المتفاقمة؟ وهل نعيش فقط أزمة مقاولات، أم أزمة ثقة في المؤسسات المنتِجة للبيانات والتقارير؟
الواقع أن ما يحدث ليس وليد أزمة سيولة أو ضعف في الكفاءات، بل نتيجة مباشرة لانهيار برامج الدعم العمومي. فقد شكل توقف برنامجي “فرصة” و”انطلاقة” ضربة قاتلة لآلاف الشباب المغاربة الذين أسسوا مشاريعهم بناء على وعود رسمية بالدعم والتمويل والمواكبة. بعضهم أغلق أبواب مقاولته حتى قبل أن يطبع أول فاتورة، وآخرون وجدوا أنفسهم في متاهة الديون دون أي مرافقة أو حلول استعجالية.
ما يجب فهمه بعمق هو أن المقاولة الصغيرة جدًا ليست فقط مشروعًا اقتصاديًا، بل مشروع حياة. وعندما تُفلس، لا تنهار فقط موازنات، بل تتدمر أحلام، وتُكسر ثقة أجيال كاملة في السياسات العمومية، وهو ما ينذر بعزوف أكبر عن روح المبادرة والمغامرة الإنتاجية.
في هذا السياق، تبدو الدعوات التي أطلقتها الكونفدرالية لإعادة بناء بيئة استثمارية عادلة وشفافة، ليست مجرد مطالب قطاعية، بل صيحة إنذار. فبدون تسهيل الولوج إلى التمويل، وتوفير ضمانات واقعية، وإحداث صناديق خاصة لدعم الابتكار المحلي، فإننا نسير نحو تآكل النسيج المقاولاتي الوطني.
وإذا كانت الدولة تعوّل على المقاولات الصغيرة جدًا والمتوسطة لتحقيق أهداف التنمية، فالمطلوب أكثر من الشعارات. الانتقال البيئي، التوازن الإقليمي، والسلم الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق في بيئة يغيب عنها الحد الأدنى من الثقة المؤسساتية والاستقرار في السياسات.
إن الأرقام المعلنة، سواء 33 أو 40 أو حتى 50 ألف مقاولة، ليست مجرد حصيلة سنوية عابرة، بل مؤشر على فشل جماعي في تدبير ملف محوري يرتبط بشكل وثيق بمستقبل الاقتصاد الوطني، ولن تنفع المسكنات أو التعديلات الشكلية إذا لم يتم الحسم في أولويات الدولة: هل نريد فعلاً اقتصادًا مواطنيًا منتجًا، أم نُبقيه حكرًا على لوبيات الريع والمقاولات الكبرى؟
الجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد ما إذا كانت سنة 2025 ستُسجل كمجرد سنة أخرى في مسلسل الانهيار، أم كبداية لاسترجاع الثقة في مشروع “المقاولة المواطِنة”.
تعليقات الزوار