هبة زووم – حسن لعشير
يعيش سكان مدينة تطوان حالة من القلق والتحسر، وسط تساؤلات عميقة حول مستقبل صناعتهم المحلية بعد التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة الصناعية في العقود الأخيرة.
فمدينة كانت تزخر بالمعامل والمصانع الاستثمارية منذ الحقبة الاستعمارية الإسبانية، فقدت جزءًا كبيرًا من هذا الإرث الصناعي خلال فترة السبعينيات والثمانينيات، مع إغلاق أو نقل العديد من المنشآت الحيوية مثل معمل الورق “Venitte”، ومعمل السكر، ومعامل الكيسان والملاطي والمسمار، إضافة إلى مصانع البلاستيك والمشروبات كـ”الغزالة” ومعمل الروبيني.
مع مرور السنوات، استُبدلت هذه المعامل الاستثمارية بمشاريع صناعية جديدة، أبرزها المصنع الياباني العملاق لشركة “Japan Tobacco International (JTI)” في المنطقة الصناعية تطوان بارك، والذي صوّرت الشركة نفسها على أنه مشروع نموذجي للاستدامة تحت شعار “المصنع الأخضر”، مع اعتمادها على الطاقة الشمسية وتقنيات إعادة تدوير المياه.
غير أن هذا التصور الإيجابي، وفق مصادر عديدة، يخفي خلفه مخاطر صحية وفضائح دولية متعلقة بالحوكمة والبيئة، حيث أظهرت التقارير الدولية، وعلى رأسها التحقيقات التي أعدتها منظمة الصحافة الاستقصائية OCCRP، تورط موظفين للشركة في شبكات تهريب واسعة في روسيا والبلقان والشرق الأوسط، إلى جانب مخالفات تجارية في العراق وسوريا، كما تواجه الشركة دعاوى جماعية في كندا، تعكس سجلها المتنازع عليه على الصعيد الدولي.
ويثير المشروع الياباني الجديد في تطوان تساؤلات حقيقية حول المخاطر الصحية المحتملة، خصوصاً أن منتجات التبغ هي سبب معروف لأمراض السرطان وأمراض القلب والتنفس والربو، مما يفرض على الدولة وضع خطط مصاحبة، تشمل بناء مستشفيات متخصصة، لضمان حماية صحة المواطنين من تداعيات هذا الاستثمار.
ويأتي هذا التحول في وقت يحتاج فيه الإقليم إلى سياسات صناعية مستدامة توازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة وصحة السكان، ما يجعل مستقبل الصناعة في تطوان ومصداقية المشاريع الأجنبية الكبرى تحت المراقبة الدقيقة من قبل المجتمع المدني والفاعلين المحليين.
تطوان اليوم، إذاً، بين إرث صناعي عريق ومخاطر صحية محتملة، تدفع جميع الأطراف المعنية إلى إعادة النظر في أولويات التنمية الاقتصادية المحلية، وضمان حماية المواطنين من أي تهديد صحي أو بيئي قد يترتب عن استثمارات لا تراعي المسؤولية الاجتماعية.
تعليقات الزوار