اليحياوي يدق ناقوش الخطر: هكذا تُهندس قوة الريع والفساد صمت المجتمع؟

هبة زووم – الرباط
في لحظة سياسية واجتماعية تتسارع فيها الأحداث بشكل يكاد يفقد معه المغاربة القدرة على التقاط أنفاسهم، كتب الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي تدوينة عميقة ومرعبة في آن، لامست جوهر أزمة الوعي في المغرب.
تدوينة لم تكن مجرد انفعال لحظي، بل صرخة فكرية ضد ما سمّاه بـ”الحق في ألا ننسى”، في بلد أصبحت فضائحه تتوالى بوتيرة صادمة، تُغطي كل فضيحة أختها، كما لو أن هناك حرصًا ممنهجًا على محو الذاكرة وإغراق الرأي العام في دوامة النسيان.
يشير اليحياوي إلى واقع أصبح ملموسًا: كلما انفجرت فضيحة، حلّت أخرى أكبر منها لتبتلعها، فلا تبقى الأولى سوى حادث عابر في سلسلة طويلة من الانحرافات التي لم تعد تثير حتى الدهشة.
فبدل أن تكون الذاكرة أداة للمحاسبة، تحوّلت إلى عبء يسعى البعض إلى التخلص منه بأي ثمن، حفاظًا على شبكات الريع والفساد التي تنخر مفاصل الدولة والمجتمع.
النسيان – كما يقول الباحث – قد يكون نعمة إلهية، لكنه حين يتحوّل إلى تناسٍ مقصود ومخطط له، يصبح خطرًا على مستقبل الأمة. فالتناسي فعل إرادي، هندسة نفسية واجتماعية يراد بها إعادة تشكيل وعي الناس، وتحويلهم إلى جمهور بلا ذاكرة، بلا مقاومة، وبلا حس نقدي. إنها محاولة لإقناع المواطن بأن “الأمس انتهى ولن يعود”، بينما الحقيقة أن الماضي يواصل العيش في حاضرنا بكل ثقله وجرائمه، وينتقل معنا إلى المستقبل بصيغه الأكثر قسوة.
لا يتردد اليحياوي في ضرب المثال الأكثر فظاعة: فضيحة الزيوت المسمومة في ستينيات القرن الماضي، تلك الجريمة التي أودت بحياة آلاف المغاربة وتركت آخرين بعاهات مستديمة. يقول: من سمّم المغاربة بالأمس لن يتردد في تسميمهم غدًا… نفس الذهنيات، نفس البنيات، نفس منطق الإفلات من العقاب.
وحدها الأساليب تغيرت، من “الزيوت الفاسدة” إلى “الصفقات المشبوهة”، ومن “التلاعب في الغذاء” إلى “الارتشاء في الصحة”، ومن “النهب الصغير” إلى “تهريب مليارات المال العام”.
تدوينة اليحياوي ليست مجرد رأي أكاديمي، بل تشخيص سياسي واجتماعي مرّ لبلد تُصاب ذاكرته كل يوم بعطب جديد. بلد يُطالب فيه المواطنون بالصفح والتجاوز، بينما يتورّم البعض من أصحاب الثروة والنفوذ من فائض الامتيازات والريع واللامساءلة.
بلد يُطلب من المغاربة فيه أن ينسوا “الكبائر” كما لو أنها مجرد أخطاء بشرية، وأن يتعاملوا مع الفساد باعتباره “قدرا وطنيا” لا مفر منه.
إن أخطر ما يهدد المغرب اليوم ليس فقط استمرار الفساد، بل تطبيع المجتمع معه. حين يصبح الاستثناء قاعدة، والصمت حكمة، والتناسي فضيلة وطنية، تتحول الدولة إلى غرفة مظلمة لا يُعرف من يديرها، ولا لصالح من.
هنا يصبح السؤال الذي يطرحه اليحياوي ملحًا: كيف يستمر الفساد في اختراق الزمن واستهتاره به؟ وكيف يقف شعب بكامله على حافة الذاكرة… لا يريد أن يتذكر، ولا من يريد له أن يتذكر؟
إننا أمام دعوة صارخة لاستعادة الوعي، ولإسقاط جدار الصمت الذي صار يحاصر حتى الذكريات. فالأمم لا تُبنى بالإنجازات وحدها، بل تُبنى أيضًا بقدرتها على مواجهة أخطائها دون مساحيق، وبإصرارها على ألا يتحول النسيان إلى عقيدة سياسية جديدة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد