ا.الهالي – الحسيمة
مرة أخرى، تعود الطريق الساحلية رقم 16، الرابطة بين مدينتي تطوان والحسيمة، لتفرض نفسها كعنوان صارخ لاختلالات مزمنة في تدبير أحد أهم المحاور الطرقية بشمال المملكة، بعدما تسببت الانهيارات الصخرية المتكررة في شلّ حركة السير، وبثّ الرعب في نفوس مستعملي الطريق، ووضع حياتهم على كفّ الاحتمال، خصوصًا خلال فصل الشتاء.
الانهيار الأخير، الذي شهدته بعض المقاطع الجبلية للطريق، لم يكن حادثًا معزولًا أو طارئًا مفاجئًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الأعطاب التي باتت تلازم هذا المحور الطرقي منذ سنوات. مقاطع هشة، صخور متآكلة، ومنحدرات مفتوحة على كل الاحتمالات، في مقابل تدخلات موسمية محدودة لا تتجاوز في أحسن الأحوال إزالة الأتربة وفتح الطريق مؤقتًا، قبل أن تعود الكارثة مع أول تساقط مطري جديد.
ورغم التحذيرات المتكررة من مهنيي النقل، والفاعلين المحليين، ومستعملي الطريق، ما تزال الطريق الساحلية رقم 16 تُدار بعقلية “تدبير الأزمة بعد وقوعها”، بدل اعتماد مقاربة وقائية واستباقية تضع سلامة المواطنين في صدارة الأولويات.
وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول مسؤولية الجهات الوصية، وحول مآل الاعتمادات المرصودة سابقًا لهذا المحور، دون أن ينعكس ذلك في حلول جذرية ودائمة.
وأمام خطورة الوضع، دخل الملف قبة البرلمان، حيث وجّهت البرلمانية فاطمة السعدي، عضو مجلس المستشارين، سؤالًا كتابيًا دقّت من خلاله ناقوس الخطر، مطالبة بتدخل عاجل لتأمين الطريق الساحلية رقم 16، والتنبيه إلى أن استمرار الوضع الحالي لا يهدد فقط حركة السير، بل يعرض أرواح المواطنين لخطر حقيقي ومتواصل.
السؤال البرلماني شدد على ضرورة اتخاذ إجراءات استعجالية لحماية مستعملي الطريق، خاصة خلال فترات التساقطات المطرية والاضطرابات الجوية، التي ترفع منسوب المخاطر وتحوّل الطريق إلى مسار محفوف بالمجهول، داعيًا في الآن ذاته إلى القطع مع الحلول الترقيعية التي أثبتت محدوديتها وفشلها في مواجهة التحديات الطبيعية والجغرافية للمنطقة.
غير أن الإشكال، في نظر متتبعين، أعمق من مجرد تدخلات استعجالية، إذ يرتبط بغياب رؤية استراتيجية شاملة لإعادة بناء وتهيئة الطريق الساحلية رقم 16، بما ينسجم مع مكانتها الحيوية في المنظومة الطرقية الوطنية.
فهذه الطريق لم تعد مجرد مسلك يربط بين مدينتين، بل أصبحت رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والسياحية والاجتماعية بشمال المملكة.
ويأتي هذا الجدل في وقت تشهد فيه مدن الساحل الشمالي دينامية تنموية غير مسبوقة، تقودها مشاريع استراتيجية كبرى، من قبيل ميناء طنجة المتوسط وميناء الناظور غرب المتوسط، إلى جانب المناطق الصناعية واللوجستيكية والسياحية المرتبطة بهما.
مشاريع ضخمة تقتضي بالضرورة شبكة طرقية حديثة، آمنة، وقادرة على ضمان الربط السلس بين الأقطاب الاقتصادية وعمقها الجهوي والوطني.
ويرى فاعلون محليون أن استمرار هشاشة الطريق الساحلية رقم 16 يتناقض بشكل صارخ مع الخطاب الرسمي حول التنمية المتوازنة والعدالة المجالية، ويجعل من هذا المحور الطرقي نقطة ضعف حقيقية في منظومة الربط الطرقي بشمال المملكة، بدل أن يكون عنصر قوة داعمًا للاستثمار والسياحة والتنقل الآمن.
اليوم، لم يعد النقاش يدور حول إزالة صخرة هنا أو ترقيع مقطع هناك، بل حول ضرورة فتح ورش وطني حقيقي لإعادة تصميم هذا المحور الطرقي، وفق معايير تقنية وهندسية قادرة على الصمود أمام التقلبات المناخية، وتحويل الطريق الساحلية رقم 16 من مصدر قلق دائم إلى شريان تنموي آمن.
ويبقى الرهان، كما يؤكد متابعون، هو الانتقال من سياسة “إطفاء الحرائق” إلى سياسة الوقاية والاستدامة، ومن تدبير الكوارث بعد وقوعها إلى منع وقوعها أصلًا، حمايةً لأرواح المواطنين، وصونًا لصورة شمال المملكة كفضاء واعد بالتنمية والاستثمار.
تعليقات الزوار