التواصل بدل الإصلاح؟ حين تُهدر الملايير في تلميع صورة التكوين المهني

هبة زووم – الرباط
أكثر من مليار و100 مليون سنتيم صُرفت في صفقات للتواصل والترويج الإعلامي داخل المكتب الوطني للتكوين المهني وإنعاش الشغل، دون أن ينعكس ذلك بأي أثر ملموس لا على جودة التكوين، ولا على ظروف المتدربين، ولا على صورة المؤسسة لدى الرأي العام.
نحن هنا لا نتحدث عن تفاصيل تقنية أو هامشية، بل عن اختيارات تدبيرية تضع الأولويات موضع مساءلة حقيقية.
في مؤسسة عمومية يُفترض أن تكون مهمتها الأساسية تكوين الشباب وتأهيلهم لسوق الشغل، يصبح من المشروع التساؤل: هل كان المكتب في حاجة إلى هذا الحجم من الإنفاق على “الصورة”، أم إلى إصلاح أعطاب بنيوية يعرفها الجميع داخل مراكز التكوين؟
ورغم هذه الميزانيات الضخمة، ما زالت شكايات المتدربين قائمة: تجهيزات متقادمة في عدد من المراكز، اكتظاظ يؤثر على جودة التكوين، ضعف الربط الحقيقي بسوق الشغل، مع غياب تقييم شفاف لمخرجات التكوين، وهو ما يجعل من رهان التواصل، في هذا السياق، أشبه بمحاولة تسويق وهم الإصلاح بدل خوضه فعليًا.
فالتواصل العمومي، حين ينفصل عن تحسين الواقع، يتحول من أداة إخبار وتفسير إلى وسيلة تلميع مكلفة بلا جدوى.
المديرة العامة للمكتب، ومعها الوزير الوصي يونس السكوري، يتحملان المسؤولية السياسية والأخلاقية عن هذا الاختيار، كون السؤال لم يعد: هل صُرفت الصفقات بشكل قانوني؟ بل: هل صُرفت بشكل ذي معنى؟ وهل احترمت منطق الأولويات؟
فحين تُضخ ملايين السنتيمات في التواصل، في مقابل استمرار أعطاب يعرفها المتدربون يوميًا، فإن الرسالة التي تصل إلى الرأي العام واضحة: مواجهة النقد لا تتم بالإصلاح، بل بتلميع الصورة.
والخطير اليوم في هذا التوجه ليس فقط حجم المبلغ، بل الفلسفة التي تحكمه: فمؤسسة عمومية تعيش اختلالات بنيوية، وتختار الاستثمار في “الواجهة الإعلامية”، إنما تُكرس منطقًا معكوسًا للحكامة، حيث تُقدَّم الصورة على الجوهر، والشكل على المضمون.
وفي زمن تتصاعد فيه المطالب بربط المسؤولية بالمحاسبة، يصبح من حق المواطنين والمتدربين التساؤل: من يحدد أولويات الإنفاق؟ ومن يقيّم جدوى هذه الصفقات؟ وأين تقارير الأثر والمردودية؟
وفي الأخير، سنقول بكل ثقة، ما يحتاجه التكوين المهني اليوم ليس حملة تواصلية جديدة، بل شجاعة سياسية تعترف بالأعطاب وتعمل على إصلاحها، أما ضخ المال العام في ترويج لا يغيّر الواقع، فهو استثمار في الصمت المؤقت، لا في الحلول المستدامة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد