هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في زيارة تفقدية مفاجئة للمنتزه الإيكولوجي الجديد ببني ملال، مساء يوم الجمعة 6 مارس الجاري، خرج والي جهة بني ملال-خنيفرة، محمد بنرباك، عن صمته لينتقد بصراحة جودة الأشغال واختلالات الإنجاز، في خطوة وصفها متتبعون للشأن المحلي بالمحرجة والمتأخرة، خاصة وأن المشروع يُفترض أنه مرّ بمراحل مراقبة واستلام قبل أن يُفتح للعموم.
فبينما أعرب الوالي عن “عدم رضاه الصريح” تجاه عمليات التشجير واختيار التأثيث الحضري داخل الفضاء، مسجلاً “ملاحظات تقنية وجيهة”، يطرح المواطنون والمهتمون سؤالاً محرجاً: لماذا لم تُكتشف هذه الاختلالات قبل انطلاق الأشغال أو أثناءها؟ وأي “نظام رقابي” هذا الذي يسمح بـ”إنجاز مشروع معيب” ثم ينتقد بعد “فوات الأوان”؟
لا يحتاج المرء اليوم إلى خبير في التدبير العمومي ليفهم أن أي مشروع عمومي، خاصة بحجم “منتزه إيكولوجي”، يفترض أن يمر بمراحل دقيقة من الدراسة التقنية والموافقة على دفاتر التحملات، والمراقبة الميدانية أثناء إنجاز الأشغال، ولجان الاستلام التي ترفض أي أشغال لا تستوفي المعايير، فإذا كان المنتزه يعاني اليوم من “تشجير فاشل” و”تأثيث حضري رديء”، فهذا يعني أن واحدة من هذه المراحل على الأقل قد أُهملت، أو أن “المراقبة” كانت “شكلية” لا جوهرية.
والسؤال الجوهري: كيف يُسمح لمقاول بإنجاز أشغال غير مطابقة ثم يُستلم المشروع دون تصحيح؟ وأي مسؤولية هذه التي تنتظر زيارة والي لاكتشاف ما كان يجب اكتشافه قبل أشهر؟ فاستمرار هذا الغموض لا يُغذي فقط شكوك الساكنة، بل يُرسّخ ثقافة الإفلات من المحاسبة التي تُحوّل المال العام إلى غنيمة تُصرف دون نتائج ملموسة.
في خطاب مباشر وحازم، حذر بنرباك من مغبة استمرار الوضع على ما هو عليه، مؤكداً أن الهدف الأساسي من المنتزه هو تخفيف الضغط عن مدار عين أسردون، وهو ما لن يتحقق في ظل الحالة الراهنة.
هذا “الاعتراف الضمني” بأن المشروع في وضعه الحالي “غير جاذب” يطرح إشكاليات أعمق: من يتحمل المسؤولية المالية عن أشغال لا تحقق الهدف المرجو منها؟ وهل سيتم إيقاف المشروع لتصحيح النقائص، أم سيُفتح للعموم “كما هو” في إهدار للمال العام؟ وأين هي المحاسبة لمن صادق على استلام أشغال “غير مطابقة” للمواصفات؟
فتحويل “المنتزه الإيكولوجي” من مشروع جاذب إلى فضاء معيب لا يُهدد فقط جاذبية المدينة، بل يُهدر ملايير الدراهم التي دُفعت مقابل أشغال لا تُحقق الغاية منها، فالمواطن لا ينتظر “وعوداً” بتحسين الجودة، بل ينتظر “أفعالاً” تُعيد الاعتبار للمال العام وتضمن حق الساكنة في فضاءات عمومية لائقة.
لم يأتِ خروج الوالي بنرباك لانتقاد مشروع المنتزه في توقيت عشوائي، فبعد سنة أولى من تدبيره لإقليم بني ملال “عرفت على وقع الاحتجاجات”، كما يذكر المتتبعون، تبدو هذه الزيارة كـ”محاولة لتلميع الصورة” وإرسال رسالة مفادها: “أنا هنا، أنا أراقب، أنا حازم”، لكن السؤال المحرج: هل “النقد العلني” بعد الإنجاز يُغني عن “المراقبة الاستباقية” قبله؟ وأي “حزم” هذا الذي يظهر فقط عندما تتفاقم الأخطاء بدلاً من منعها؟
فتحويل “الزيارات التفقدية” إلى منصات لإطلاق الخطابات الحازمة لا يُصلح المشاريع المعيبة، بل يُرسّخ ثقافة المحاسبة بالخطاب لا بالفعل التي لطالما عانت منها الإدارة الترابية، فالمواطن لا يقاس جدية المسؤول بـ”قوة خطابه”، بل بـ”جودة منجزاته” و”شفافية محاسبته”.
ويرى عدد من المتابعين للشأن المحلي أن خروج الوالي بنرباك لانتقاد وتيرة الأشغال بالمنتزه الإيكولوجي “يدخل في إطار در الرماد في العيون”، خاصة بعد فشل في “وضع بصمته” بالإقليم خلال سنته الأولى.
هذا التحليل يطرح إشكالية الثقة بين المواطن والمسؤول: كيف يمكن لمواطن أن يثق في نقد متأخر، بينما هو يعاني يومياً من مشاريع معيبة؟ وأين هي النتائج الملموسة التي تُترجم “خطابات الحزم” إلى واقع؟ ولماذا لا تُعلن أسماء المسؤولين عن الاختلالات التقنية بدلاً من الاكتفاء بنقد عام؟
فاستمرار النقد دون محاسبة لا يُعيد الثقة في المؤسسات، بل يُعمّق شعور المواطن بالمسرحية الإدارية التي تُنتج خطابات جميلة دون نتائج حقيقية، فالمواطن البيضاوي لم يعد يقبل بالوعود، بل ينتظر الأفعال التي تُغير واقع حياته اليومية.
لم يعد مقبولاً اليوم أن تُترك مشاريع بحجم “المنتزه الإيكولوجي” تُنجز بأخطاء ثم تُنتقد بعد الافتتاح، ما يحتاجه مواطنو بني ملال اليوم هو تحقيق إداري عاجل لتحديد المسؤوليات عن الاختلالات التقنية في مشروع المنتزه، مع نشر نتائج التحقيق للرأي العام، كما يتطلب الأمر إيقاف الأشغال المتبقية (إن وُجدت) لتصحيح النقائص قبل استلام نهائي، بدلاً من فتح مشروع “معيب” للعموم.
ويُنتظر أيضاً مراجعة منظومة المراقبة على المشاريع العمومية بالإقليم، مع إشراك خبراء مستقلين في لجان الاستلام لضمان الجودة، بالإضافة إلى شفافية مالية كاملة حول كلفة تصحيح النقائص، ومن سيتحمل عبء التكلفة الإضافية: المقاول؟ الجماعة؟ الجهة؟ وأخيراً، يجب محاسبة لكل من يثبت تقصيره في مراقبة الأشغال أو استلامها، لضمان ردع حقيقي يقطع مع ثقافة “الإفلات”.
ما تعيشه بني ملال مع “فضيحة المنتزه الإيكولوجي” ليس “خللاً تقنياً عابراً”، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الترابية وقدرة المسؤولين على تجاوز “عقلية الرد بعد الخطأ” لخدمة المصلحة العامة، فإما أن يتحرك والي الجهة بجدية لفتح ملفات المحاسبة، وتصحيح المسار، وضمان جودة المشاريع المستقبلية، وإما أن تستمر “ثقافة النقد المتأخر” التي تُحوّل المسؤولين إلى “منتقدين لأخطائهم الخاصة” وتُهدر ثقة المواطنين في قدرة الإدارة على التدبير الرشيد.
تعليقات الزوار