قانون الصحافة بين التأجيل والتردد: هل تهرب الحكومة من الإصلاح الحقيقي؟

هبة زووم – الرباط
مرة أخرى، يجد إصلاح قطاع الصحافة نفسه رهينة منطق التأجيل والتردد، بعدما قرر مجلس النواب إرجاء مناقشة مشروع القانون 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، بطلب من وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، قرار، وإن بدا تقنياً في ظاهره، إلا أنه يعكس في العمق ارتباكاً واضحاً في تدبير واحد من أكثر الملفات حساسية في المشهد الإعلامي الوطني.
ليس التأجيل في حد ذاته هو الإشكال، بل السياق الذي يأتي فيه، فالمشروع، الذي أعادته المحكمة الدستورية إلى نقطة البداية، كان يفترض أن يشكل فرصة لإعادة بناء تصور متماسك لإصلاح قطاع الصحافة، غير أن ما يحدث يوحي بأن الحكومة لا تزال تدور في حلقة مفرغة، تعيد إنتاج نفس المقاربات دون الجرأة الكافية للحسم.
كيف يمكن تفسير طلب مهلة إضافية، في وقت تؤكد فيه الحكومة أنها “تسابق الزمن” لإخراج القانون قبل شهر ماي؟ أليس في هذا التناقض ما يكفي لطرح علامات استفهام حول جدية هذا السباق أصلاً؟
الحديث عن إصلاح المجلس الوطني للصحافة لم يعد ترفاً، بل ضرورة ملحة بعد سنوات من الاختلالات التي طالت بنيته ووظائفه، ومع ذلك، يبدو أن المعالجة الحكومية لا تزال سطحية، تركز على تسريع المسطرة بدل معالجة جوهر الأزمة: استقلالية المؤسسة، وضمان تمثيلية حقيقية، وإعادة الثقة بين الجسم الصحفي ومؤسساته.
بل إن سحب مشروع إحداث لجنة مؤقتة لتسيير القطاع يطرح بدوره تساؤلات مقلقة: هل هو اعتراف ضمني بفشل المقاربة السابقة؟ أم مجرد ارتباك في ترتيب الأولويات؟
ما يزيد من تعقيد الوضع هو أن هذا التأجيل يأتي في سياق أزمة ثقة متنامية داخل الوسط الإعلامي، حيث ينظر العديد من المهنيين بعين الريبة إلى طريقة تدبير هذا الملف، فبدل إشراك فعلي للفاعلين في صياغة الحلول، يبدو أن القرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ثم تُعرض لاحقاً على النقاش في صيغ شبه جاهزة.
هذا الأسلوب لا يكرّس فقط الإقصاء، بل يهدد بإنتاج نص قانوني يفتقر إلى الشرعية المهنية، حتى وإن استوفى شكلياً شروط المسطرة التشريعية.
إن ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد تأجيل تقني، بل هو مؤشر على أزمة أعمق في طريقة تدبير الإصلاحات الكبرى، فحين يتحول قانون مفصلي إلى موضوع شد وجذب وتأجيلات متكررة، فإن ذلك يكشف غياب رؤية واضحة، وربما غياب إرادة سياسية حقيقية للحسم.
وفي انتظار استئناف المناقشة داخل مجلس النواب، يبقى السؤال معلقاً: هل ستتمكن الحكومة من تقديم نص قانوني يعيد الاعتبار لقطاع الصحافة، أم أن مسلسل التأجيل سيستمر، ليكرّس وضعاً هشّاً لم يعد يحتمل مزيداً من الانتظار؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد