الرشيدية: ديون كراء مقر حزب الاستقلال تفضح ارتباك البرلماني بنلفقيه والحجز يطرق أبواب المفتش الإقليمي
هبة زووم – الرشيدية
لم تعد أزمة تمثيلية حزب الاستقلال بإقليم الرشيدية مجرد حديث هامشي داخل الكواليس، بل تحولت إلى فضيحة سياسية مكتملة الأركان، بعد توصل المفتش الإقليمي للحزب بإنذار رسمي من المجلس الجماعي يلزمه بأداء ديون كراء مقر الحزب، المتراكمة لسنوات دون تسوية.
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن الملف يتجه نحو تصعيد غير مسبوق، مع قرب مباشرة إجراءات الحجز على الحساب الخاص بالمفتش الإقليمي، في خطوة تؤكد أن القضية لم تعد تحتمل التأجيل أو التبرير، بل دخلت مرحلة التنفيذ القانوني، بما يحمله ذلك من إحراج سياسي وتنظيمي كبير.
غير أن خطورة هذا الملف لا تكمن فقط في طابعه القانوني، بل في رمزيته السياسية الصادمة: حزب يفترض أنه يؤطر المواطنين ويؤطر النقاش العمومي، يعجز عن أداء مستحقات مقر يحتضن أنشطته، بل ويُفترض أنه مخصص للتواصل مع الساكنة، فأي رسالة يمكن أن تُفهم من هذا الواقع؟ وأي مصداقية تبقى لخطاب سياسي يتحدث عن المسؤولية والالتزام؟
الأكثر إثارة للجدل، أن هذه الأزمة تتفجر في سياق يتوفر فيه الحزب بالإقليم على أسماء وازنة تتقلد مناصب ومسؤوليات، وعلى رأسها البرلماني مولاي الحسن بنلفقيه، إلى جانب مولاي الحسن رشيدي نائب رئيس جهة درعة تافيلالت، وهما موقعان يخولان تعويضات مالية سمينة، كان من المفترض أن تساهم، على الأقل، في تفادي هذا السقوط المحرج، وهو ما يجعل السؤال الأخلاقي أكثر حدّة: كيف يعجز تنظيم يضم مسؤولين بهذه الإمكانيات عن تسوية التزام مالي بسيط؟
مصادر مطلعة كشفت أن الأمين العام للحزب، نزار بركة، عبّر عن غضب واضح من طريقة تدبير هذا الملف، خاصة بعد أن اضطر المجلس الجماعي إلى اللجوء للقضاء، في خطوة غير مسبوقة تعكس حجم الاختلالات التي باتت تلاحق الحزب محلياً.
الأزمة لا تقف عند حدود المال، بل تمتد إلى عمق الصراعات الداخلية التي تعيشها هياكل الحزب بالإقليم، حيث تتقاطع حسابات التزكيات الانتخابية مع اختلالات التدبير، في مشهد يعكس ارتباكاً تنظيمياً واضحاً، ويبدو أن هذا الملف جاء ليكشف ما كان يُدار في الخفاء، ويحوّل التوترات الداخلية إلى أزمة مفتوحة على كل الاحتمالات.
وفي قلب هذه العاصفة، يجد بنلفقيه نفسه أمام امتحان سياسي حقيقي، خاصة في ظل سعيه المتواصل لنيل تزكية الحزب للاستحقاقات التشريعية المقبلة، فكيف يمكن اليوم إقناع القيادة بتجديد الثقة، في وقت يُطرح فيه عجز واضح عن تدبير أبسط الالتزامات؟ بل كيف يمكن الحديث عن القرب من المواطنين عبر مكتب للتواصل، ومقره ذاته غير مؤدى الكراء؟
اللافت أيضاً، أن الصمت الذي يطبع مواقف المسؤولين الإقليميين يزيد من منسوب الغموض، ويفتح الباب أمام تأويلات متعددة، في وقت أصبح فيه الرأي العام المحلي والحزبي يطالب بتوضيحات صريحة، بدل الاكتفاء بمحاولات الالتفاف أو ترويج روايات غير موثقة.
ما يحدث اليوم في الرشيدية يتجاوز كونه حادثاً معزولاً، ليعكس أزمة أعمق في تدبير الشأن الحزبي، حيث تتحول التنظيمات، في غياب الحكامة، إلى عبء على صورتها وعلى ثقة المواطنين فيها، فحين يصل الأمر إلى حد الحجز على الحسابات بسبب ديون كراء، فإننا أمام خلل بنيوي لا يمكن تبريره أو التقليل من خطورته.
واليوم، ننتظر من المفتش الإقليمي للحزب توضيحات كافية وشافية لهذه الفضيحة بدل الاكتفاء بقهقهات في منتديات محلية يحاول من خلالها الهروب إلى الأمام ورمي سوء تدبيره لمرحلة ليس بالقصيرة ومحاولة وضعها على شماعة ما يسميه بـ”البرهوش”.
اليوم، لم يعد النقاش حول من المسؤول فقط، بل حول مستقبل حزب يواجه خطر تآكل صورته من الداخل، وبين إنذار رسمي، وحجز يلوح في الأفق، وغضب مركزي متصاعد، يبقى السؤال الأهم: هل يمتلك الحزب الجرأة لتصحيح المسار ووضع المسؤولين لاستقالاتهم، أم أن منطق الهروب إلى الأمام سيُعمّق الجرح أكثر؟