شركة جديدة ومشاكل قديمة؟ خدمات الماء والكهرباء تضع الشركة الجهوية المتعددة الخدمات بجهة طنجة أمام المحك
إ.تسولي – طنجة
كان يفترض أن يشكل إحداث الشركة الجهوية متعددة الخدمات طنجة تطوان الحسيمة محطة جديدة في تدبير المرافق الحيوية، وأن يفتح الباب أمام مرحلة عنوانها جودة الخدمات، سرعة التدخل، القرب من المواطن، وتحسين الحكامة.
لكن بعد دخول الشركة مرحلة العمل، بدأت تتصاعد أصوات المواطنين والفعاليات المحلية المنتقدة لما يعتبرونه اختلالات في عدد من الخدمات، لتجد المؤسسة الجديدة نفسها أمام أول اختبار حقيقي: هل تستطيع فعلاً تقديم نموذج مختلف، أم أن المواطن سيجد نفسه أمام نفس الأعطاب لكن بعنوان إداري جديد؟
من أكثر الملفات التي تثير استياء المواطنين شكايات مرتبطة بانقطاعات الماء الصالح للشرب، خصوصاً خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب أعطاب متكررة على مستوى شبكات الماء والكهرباء.
فانقطاع الماء عن منزل مواطن لساعات طويلة ليس مجرد “عطب في الشبكة”، وتأخر إصلاح الكهرباء ليس مجرد «تدخل ميداني مؤجل»، لأن الأمر يتعلق بخدمات أساسية ترتبط مباشرة بالحياة اليومية وبكرامة المواطنين.
والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت الشركة قد أحدثت أصلاً بهدف تحسين التدبير وتسريع التدخلات، فلماذا لا يشعر المواطن بهذا التحسن بالقدر الذي كان ينتظره؟
ولا تتوقف الانتقادات عند الانقطاعات والأعطاب، إذ أصبحت الفواتير واختلاف مبالغ الاستهلاك بدورها موضوعاً متكرراً لشكايات المواطنين، فعدد من المرتفقين يطالبون بمزيد من الوضوح في احتساب الاستهلاك، وبمساطر أبسط لتقديم الشكايات، والأهم من ذلك الحصول على جواب واضح وفي آجال معقولة.
فالمواطن لا يحتاج إلى منظومة بيروقراطية معقدة حتى يعرف لماذا ارتفعت فاتورته، ولا يفترض أن يتحول الاعتراض على فاتورة إلى رحلة شاقة بين المكاتب والنوافذ، فالشفافية في الفوترة ليست امتيازاً تمنحه المؤسسة، وإنما جزء من جودة الخدمة العمومية.
الشركة الجهوية متعددة الخدمات مطالبة اليوم بأن تجعل من مفهوم القرب ممارسة فعلية، لا مجرد عبارة تتكرر في البلاغات، فالقرب الحقيقي يعني أن يعرف المواطن أين يتوجه، ومن يتصل، ومتى سيأتي فريق التدخل، ومتى سيُحل العطب، وماذا حدث في شكايته.
أما أن يظل المواطن أمام هاتف لا يجيب، أو منصة لا تعطيه جواباً، أو شكاية لا يعرف مصيرها، فإن الحديث عن “خدمة المواطن” يصبح مجرد شعار إداري آخر.
والمطلوب اليوم ليس إطلاق أحكام مسبقة على أداء الشركة، ولا اختزال تجربتها في شكاية هنا أو عطب هناك، وإنما فتح تقييم جدي وشفاف لأدائها منذ انطلاقها، كم عدد الشكايات المسجلة؟ كم منها تمت معالجته؟ ما متوسط آجال التدخل؟ كم عدد الأعطاب المتكررة؟ وما حجم الاستثمارات المنجزة لتحسين الشبكات؟ وكيف تتم مراقبة جودة الخدمات؟ هذه هي الأرقام التي ينبغي أن تكون متاحة للرأي العام.
كما أن السلطات الجهوية والمنتخبة مطالبة، كل في حدود اختصاصاته، بمواكبة أداء الشركة وتتبع مدى احترامها لالتزاماتها، لأن المرافق التي تدبرها ليست ملكاً لمؤسسة أو مسؤول، وإنما هي خدمات عمومية تمس حياة ملايين المواطنين.
وفي النهاية، فإن الشركة الجهوية متعددة الخدمات طنجة تطوان الحسيمة أمام فرصة حقيقية لإثبات أن نموذجها الجديد قادر على القطع مع اختلالات التدبير التقليدي.
لكن الفرصة لن تُقاس بعدد البلاغات ولا بحجم الوعود، ستُقاس بما يخرج من الصنبور، وبما يضيء المصباح، وبسرعة إصلاح العطب، وبوضوح الفاتورة، وبالطريقة التي يُعامل بها المواطن عندما يشتكي، فالمواطن لا يريد شركة جديدة بالاسم فقط، بل خدمة جديدة في الواقع.