هبة زووم – الرباط
“يأكل مع الذئب ويبكي مع الراعي”.. هكذا يبدو المشهد السياسي لفوزي لقجع وهو يطل على المغاربة من منصة حزبية بمراكش، عشية الانتخابات التشريعية، بخطاب يكاد يضع الحكومة التي كان أحد أبرز وجوهها في قفص الاتهام.
لقجع، الذي ظل لسنوات في قلب دواليب القرار الحكومي والمالي، اختار هذه المرة أن يتحدث بلغة المنتقد، وأن يوجه سهاماً إلى المسار الحكومي، متحدثاً عن ثقل مصاريف الأسرة المغربية، وعن شباب بات يفكر في الهجرة، وعن الحاجة إلى اختيارات اقتصادية واجتماعية جديدة.
المشكلة ليست في أن ينتقد لقجع الحكومة؛ فمن حق أي مسؤول سياسي أن يراجع السياسات والاختيارات، المشكلة الحقيقية هي سؤال المسؤولية: أين يبدأ النقد، وأين تنتهي مسؤولية من كان جزءاً من صناعة القرار؟
فالحكومة التي تُنتقد اليوم ليست حكومة مجهولة الهوية، ولم تنزل فجأة من السماء. إنها حكومة لها أغلبية وأحزاب ووزراء ومسؤولون وميزانيات وقرارات. ولقجع نفسه ليس مراقباً من خارج المشهد، بل رجل يوجد في قلب منظومة القرار المالي للدولة.
ولهذا فإن المواطن، وهو يسمع الحديث عن الغلاء وضغط النفقات على الأسر وهجرة الشباب، من حقه أن يتساءل: هل اكتُشفت هذه المشاكل اليوم فقط، أم أنها كانت حاضرة طوال السنوات الماضية؟
هل لم تكن القدرة الشرائية للأسر تستحق النقاش قبل أن تبدأ الحملة الانتخابية؟ وهل لم يكن ملف الشباب والهجرة أولوية عندما كانت الحكومة في بداية ولايتها؟ وهل كان من الصعب اكتشاف الحاجة إلى اختيارات اقتصادية واجتماعية أكثر عدلاً قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع؟
هنا بالضبط تظهر مفارقة الخطاب، فالسياسة ليست مسرحاً يسمح للمسؤول بأن يؤدي دورين متناقضين في المسرحية نفسها: صانعاً للقرار عندما تكون السلطة في يده، ومنتقداً للقرار عندما تقترب ساعة الحساب الانتخابي.
لقجع تحدث أمام تجمع حزبي كبير بمراكش عن ضرورة فتح نقاش حقيقي حول البرامج الانتخابية ومصادر تمويلها، وعن ضرورة تقديم حلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، كما دافع عن مقترح رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم.
لكن هذا الطرح يفتح سؤالاً أكثر إحراجاً من مجرد قيمة الزيادة: لماذا لم يتحول هذا الطموح إلى واقع خلال السنوات الخمس التي كان فيها أصحاب القرار يملكون كل الأدوات السياسية والمؤسساتية اللازمة؟
فإذا كان المقترح قابلاً للتطبيق ومدروساً، كما يقول لقجع، فلماذا نسمع عنه اليوم بهذه القوة؟ وإذا كانت شروط تطبيقه لم تكن متوفرة سابقاً، فما الذي تغير الآن؟ وإذا كانت الحكومة قادرة على تبنيه قبل الانتخابات، فهل نحن أمام قناعة اقتصادية جديدة أم أمام مزاحمة انتخابية في سوق الوعود؟
هذه الأسئلة ليست استهدافاً لشخص لقجع، وإنما هي جوهر المحاسبة الديمقراطية، والأكثر غرابة أن الخطاب الجديد لا يكتفي بانتقاد الأوضاع الاجتماعية، بل يلمح إلى أن بعض السياسات السابقة ساهمت في تكريس الهشاشة ودفع الشباب نحو التفكير في الهجرة.
لكن إذا كانت هناك اختيارات خاطئة، فمن اختارها؟ ومن شارك في تنفيذها؟ ومن كان عليه أن يعترض عليها داخل الحكومة؟ فلا يمكن أن يتحول الفشل السياسي إلى مجهول الهوية بمجرد اقتراب الانتخابات.
وإذا كانت هناك مراجعة حقيقية للمواقف، فلتكن شجاعة وواضحة: ماذا تحقق؟ ماذا فشل؟ من أخطأ؟ ولماذا؟ وما الذي سيضمن ألا تتحول الوعود الجديدة إلى نسخة أخرى من الوعود التي سمعها المغاربة قبل خمس سنوات؟
أما الحديث عن ضرورة إبعاد السياسة عن صراعات المناصب والمكاسب، فهو في حد ذاته مطلب مشروع. لكن الشباب الذي يُطلب منه اليوم أن يثق في السياسة لا يريد خطباً عن العزوف السياسي بقدر ما يريد أن يرى سياسة تتحمل مسؤولية نتائجها.
الشاب الذي يفكر في الهجرة لا يحتاج إلى أن يسمع أن الحكومة اكتشفت مشكلته عشية الانتخابات؛ يريد أن يعرف لماذا لم تتحسن فرص الشغل خلال سنوات التدبير، ولماذا بقي المستقبل الاقتصادي والاجتماعي بالنسبة إليه غامضاً.
والأسرة التي تعاني من ضغط الأسعار لا تحتاج إلى مؤشرات تُعرض على المنصات، بل تحتاج إلى جواب ملموس عن سؤال القدرة على العيش، أما المواطن الذي يسمع اليوم وعوداً جديدة، فمن حقه أن يفتح دفتر الوعود القديمة، وأن يقارن بين ما قيل سنة 2021 وما تحقق فعلاً.
وفي هذا السياق، فإن حضور أكثر من 6000 شخص في لقاء حزبي بمراكش قد يكون مؤشراً على قوة التعبئة التنظيمية، لكنه لا يمثل في حد ذاته تفويضاً انتخابياً، التصفيق ليس تصويتاً، والحشود ليست حصيلة، والخطاب الانتخابي لا يعفي صاحبه من كشف حساب سياسي.
لقجع اختار أن يرسل من مراكش رسالة انتخابية واضحة، معلناً ثقته في قدرة “البام” على تحقيق نتائج قوية يوم 23 شتنبر، لكن قبل انتظار الاحتفال بالنتائج، هناك احتفال آخر أكثر أهمية: احتفال الحقيقة السياسية عندما يفتح المسؤول دفتر السنوات الخمس الماضية ويقول للمواطن ماذا فعل وماذا لم يفعل.
فالذي يريد أن يقدم نفسه بديلاً عن الآخرين لا يكفيه أن ينتقدهم؛ عليه أن يشرح موقعه من القرارات التي اتخذت عندما كان شريكاً في الحكم، والذي يتحدث عن الغلاء والبطالة والهجرة والكرامة، عليه أن يجيب أيضاً عن سؤال المواطن البسيط: إذا كانت هذه الاختيارات الحكومية قد أثقلت كاهله فعلاً، فلماذا انتظرتم حتى تقترب الانتخابات لكي تكتشفوا ذلك؟
هنا فقط تبدأ السياسة الجادة، أما الانتقال من مقاعد المسؤولية إلى منصة الانتقاد دون كشف حساب، فقد يبدو للبعض محاولة للجلوس في مقعدي الحكومة والمعارضة في الوقت نفسه، والناخب، في النهاية، ليس مطالباً بأن ينسى السنوات الخمس بمجرد أن تبدأ مكبرات الصوت في ترديد وعود جديدة.
الانتخابات اليوم موعد للمحاسبة قبل أن تكون موعداً للوعود، ومن كان داخل غرفة القرار بالأمس، لا يستطيع أن يتصرف اليوم وكأنه كان واقفاً خلف الباب يسمع فقط.
تعليقات الزوار