من أزيلال إلى خنيفرة.. هل أصبحت مشاريع جهة بني ملال-خنيفرة ورقة في لعبة الولاءات؟

هبة زووم – بني ملال
في الوقت الذي تنتظر فيه ساكنة جهة بني ملال-خنيفرة، من أزيلال إلى خنيفرة، مروراً ببني ملال وخريبكة والفقيه بن صالح، حلولاً ملموسة لمشاكل العزلة والتهميش وضعف البنيات التحتية واختلالات الخدمات، تطفو إلى السطح تصريحات سياسية ثقيلة تضع تدبير المشاريع العمومية بالجهة أمام أسئلة لا يمكن القفز عليها.
التصريحات التي جرت في لقاء حضره رئيس الحكومة، وتضمنت اتهامات لرئيس مجلس الجهة بممارسة ما وصف بـ”الابتزاز السياسي” وربط الاستفادة من المشاريع بالولاءات التنظيمية، تستحق التوقف عندها، ليس لأنها مجرد سجال حزبي، وإنما لأن موضوعها يتعلق بالمال العام وبحق المواطنين في الاستفادة العادلة من التنمية.
وتزداد حساسية هذه الاتهامات عندما يتم تداول منطق من قبيل: “لي بغا المشاريع خصو يكون معانا”، فإذا ثبت أن مثل هذا المنطق يُمارس فعلاً في تدبير المشاريع العمومية، فإن الأمر يتجاوز حدود الخلاف السياسي ليطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى احترام مبدأ العدالة المجالية وتكافؤ الفرص بين الجماعات الترابية، لكن، وفي المقابل، فإن مثل هذه الاتهامات الخطيرة تحتاج إلى أدلة ومعطيات دقيقة، ولا ينبغي أن تتحول إلى مجرد شعارات انتخابية متبادلة.
فالقاعدة البسيطة التي يفترض ألا يختلف حولها اثنان هي أن المشروع العمومي لا ينبغي أن يسأل المواطن عن لونه الحزبي قبل أن يسأل عن حاجته إليه.
الطريق المتهالك لا ينتمي إلى حزب، والدواوير المعزولة لا تصوت بلون سياسي، والمواطن الذي ينتظر الماء أو الصحة أو النقل أو فك العزلة لا ينبغي أن تكون هويته الانتخابية شرطاً غير معلن للوصول إلى حقه في التنمية.
إن مجالس الجهات تدبر موارد عمومية، وبالتالي فإن المشاريع والبرامج يفترض أن تخضع لمعايير موضوعية واضحة، من قبيل حجم الخصاص، وعدد المستفيدين، والحاجة الاجتماعية، والأولوية التنموية، والعدالة المجالية، وليس لموازين القوة داخل الخريطة الحزبية، وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات المنتخبة في تقديم أجوبة واضحة للرأي العام.
كيف يتم تحديد أولويات المشاريع؟ ومن يضع معايير الاستفادة؟ وهل توجد وثائق ومعطيات منشورة تمكن المواطنين من معرفة سبب استفادة جماعة دون أخرى؟ وهل تخضع الاتفاقيات والبرامج لتقييم دوري يحدد أثرها الحقيقي على الساكنة؟ هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحاً عندما تظهر اتهامات بوجود مقايضة بين المشاريع والولاءات السياسية.
فإذا كانت هذه الاتهامات غير صحيحة، فإن أفضل رد عليها ليس الصمت، وإنما نشر المعايير والبيانات والوثائق التي تثبت أن توزيع المشاريع يتم وفق قواعد موضوعية وشفافة، أما إذا كانت هناك اختلالات، فإن المؤسسات الرقابية والقضائية والإدارية تملك الآليات اللازمة للتحقق منها وترتيب المسؤوليات، كل حسب اختصاصه.
المشكلة أن جهة بني ملال-خنيفرة لا تعاني من نقص في الملفات التي تحتاج إلى حلول. هناك مناطق جبلية وقروية تنتظر فك العزلة، وخصاص في البنيات والخدمات، ومواطنون يريدون أن يروا أثر الجهوية المتقدمة في حياتهم اليومية، لا أن يسمعوا عنها في الخطب واللقاءات.
لذلك، فإن تحويل النقاش من “كيف نُنمي الجهة؟” إلى “من معنا ومن ضدنا؟” سيكون، إن صح، انقلاباً على جوهر العمل التنموي، فالسياسة يفترض أن تتنافس فيها الأحزاب حول البرامج والحلول، لا حول القدرة على التحكم في مفاتيح المشاريع العمومية.
والانتخابات المقبلة ينبغي ألا تكون مناسبة فقط لعرض الوعود، بل أيضاً لطرح سؤال الحصيلة: ماذا تحقق؟ أين ذهبت الاعتمادات؟ ما هي المشاريع التي أنجزت؟ من استفاد منها؟ وما هي الجماعات التي بقيت خارج دائرة التنمية؟
وفي النهاية، لا تحتاج ساكنة بني ملال-خنيفرة إلى معارك سياسية جديدة بقدر ما تحتاج إلى طرق، ومستشفيات، وماء، ونقل، وفرص شغل، وبنيات تحتية، وعدالة مجالية حقيقية، أما المشاريع العمومية، فملك للمواطنين جميعاً، وليست ورقة تفاوض حزبية ولا امتيازاً يمنح لمن يرفع شعار الولاء.

وإذا كانت هناك فعلاً ممارسات تربط التنمية بالانتماء السياسي، فإن المطلوب هو كشفها بالأدلة ووقفها عبر المؤسسات. وإذا كانت الاتهامات مجرد سجال انتخابي، فإن المطلوب أيضاً تقديم المعطيات للرأي العام لوضع حد للجدل.
فالمال العام لا ينبغي أن تكون له ألوان حزبية، والتنمية لا ينبغي أن تكون مكافأة على الولاء، والجهوية المتقدمة لا يمكن أن تنجح إذا أصبح المواطن مضطراً للبحث عن الحزب المناسب حتى يحصل على المشروع الذي يحتاجه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد