لقجع يشخّص أعطاب التعليم وينتقد طريقة تدبير الحكومة.. ماذا عن مسؤولية البام فيما حدث؟

هبة زووم – الرباط
عاد فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، إلى واجهة النقاش السياسي من بوابة الملفات الاجتماعية الثقيلة، بعدما تحدث عن إمكانية رفع معاشات المتقاعدين إلى ما لا يقل عن 3000 درهم، معتبراً أن المغرب يتوفر على الإمكانيات التي تسمح بتحسين الوضعية المعيشية لهذه الفئة.
تصريح يحمل أكثر من دلالة، خصوصاً أنه يأتي في سياق انتخابي تتصدر فيه القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية والملفات المرتبطة بالدخل والمعاشات أجندة النقاش العمومي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: هل يستطيع المغرب دفع معاشات لا تقل عن 3000 درهم؟ وإنما أيضاً: ما هي الكلفة المالية لهذا الالتزام؟ ومن أين ستأتي الموارد؟ وما هي الآلية التي يمكن اعتمادها؟ وهل يتعلق الأمر بمقترح انتخابي، أم بتصور حكومي قابل للتنفيذ، أم بمجرد إعلان سياسي يحتاج إلى ترجمة مالية وتشريعية؟ فالحديث عن الإمكانيات شيء، وتحويل الإمكانيات إلى سياسة عمومية دائمة شيء آخر.
لقجع توقف كذلك عند منظومة التعليم، مشيراً إلى وجود حوالي 300 ألف تلميذ خارج المدرسة في مستويات الابتدائي والإعدادي والثانوي، معتبراً أن الرقم يستدعي مراجعة شاملة للمنظومة والبحث عن الأسباب الحقيقية وراء مغادرة التلاميذ لمقاعد الدراسة، وهو تشخيص يضع ملف الهدر المدرسي في مكانه الطبيعي: ليس باعتباره مجرد رقم في تقرير، وإنما نتيجة لمسارات اجتماعية واقتصادية ومجالية متعددة.
فالتلميذ الذي يترك المدرسة بسبب غياب النقل، أو عجز أسرته عن توفير الأدوات والمستلزمات الدراسية، أو نتيجة ظروف اجتماعية صعبة، لا يمكن اختزال مشكلته في “فشل دراسي”، ولذلك فإن معالجة الظاهرة، كما قال لقجع، تقتضي تفكيك الأسباب حالة بحالة، وليس الاكتفاء بحملات موسمية أو برامج عامة.
لكن هنا أيضاً يعود سؤال الحصيلة، فمن يتحدث عن إصلاح التعليم مطالب بأن يوضح للناخبين ماذا ينبغي أن يتغير تحديداً، وكيف، وبأي موارد، وفي أي آجال، لأن المغرب راكم خلال السنوات الماضية برامج ومخططات لإصلاح المدرسة، بينما ظل الهدر المدرسي تحدياً قائماً، ما يجعل السؤال مشروعاً حول مدى نجاعة السياسات العمومية المتعاقبة.
ولم يتوقف خطاب لقجع عند المعاشات والتعليم، بل انتقل إلى طريقة اشتغال الحكومة، مشيراً إلى أن مجلس الحكومة يضم عدة أحزاب، لكن رئيس الحكومة يتحمل، وفق الدستور والقانون التنظيمي للحكومة، مسؤولية إدارة العمل الحكومي والتنسيق والحسم في القرارات.
وهنا تبرز مفارقة سياسية تستحق النقاش: إذا كان رئيس الحكومة هو المسؤول عن التنسيق والحسم، فأين تنتهي مسؤولية الحزب الذي يشارك في الحكومة وتبدأ مسؤولية رئيسها؟
فالناخب لا يصوت فقط على الأشخاص، وإنما يقيم أيضاً أداء الأحزاب التي تحملت مسؤولية حكومية. ولذلك يصعب الفصل بالكامل بين الحزب المشارك في التدبير وبين الحصيلة العامة للحكومة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات مثل التعليم، والقدرة الشرائية، والمعاشات، والتشغيل والخدمات العمومية.
أما الحديث عن بناء مغرب 2031 بروح جماعية وبعيداً عن اليأس، فهو خطاب إيجابي في جوهره، لكن التفاؤل وحده لا يكفي لإقناع المواطن، المواطن اليوم يريد أن يعرف ماذا سيتغير في حياته، والمتقاعد يريد معرفة كيف سيرتفع معاشه، والأسرة تريد مدرسة تمنع أبناءها من مغادرة مقاعد الدراسة، والشاب يريد جواباً عن مستقبله.
وبين الوعود والتشخيصات، يبقى الامتحان الحقيقي هو القدرة على تحويل الخطاب السياسي إلى قرارات وسياسات وأرقام قابلة للقياس، فـ3000 درهم للمتقاعد ليست مجرد عبارة انتخابية؛ إنها التزام مالي يحتاج إلى موارد وآليات، و300 ألف تلميذ خارج المدرسة ليس مجرد رقم؛ إنه مؤشر يحتاج إلى سياسة عمومية تقنع الأسر بأن المدرسة قادرة على حماية مستقبل أبنائها.
أما مغرب 2031 الذي تحدث عنه لقجع، فلن يُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بما ستنتجه المؤسسات من قرارات، وبما سيظهر في حياة المواطنين من تحسن ملموس.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ستفرضه المرحلة الانتخابية على جميع الأحزاب، سواء كانت في الحكومة أو خارجها: هل نحن أمام وعود جديدة، أم أمام التزامات قابلة للحساب والمساءلة بعد انتهاء الانتخابات؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد