ماريا بوطلال – الحسيمة
يتجه ملف شعبة اللوجستيك والهندسة الصناعية بالمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بالحسيمة نحو مزيد من التعقيد، في ظل احتمال انتقال الخلاف بشأن قرار إلغاء الشعبة من المسار الإداري إلى القضاء، بعدما استنفدت القضية، بحسب المعطيات المتداولة، عدداً من مراحل التظلم والمراسلات على مستوى المؤسسة والجامعة والوزارة.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الأستاذ المنسق للشعبة يعتزم اللجوء إلى القضاء للطعن في قرار الإلغاء، في حال عدم التوصل إلى معالجة إدارية للملف، وهو ما قد يجعل المؤسسة أمام أول نزاع من هذا النوع خلال الموسم الجامعي الحالي، ويضع طريقة تدبير عروض التكوين وآليات اتخاذ القرار تحت دائرة الاهتمام.
غير أن الجدل لا يتعلق فقط بمصير الشعبة، وإنما يمتد إلى السؤال الأهم المرتبط بالأساس الذي استند إليه قرار إلغائها، فالأوساط الجامعية المعنية تطرح تساؤلات حول ما إذا كان القرار يستند إلى مبررات أكاديمية وتنظيمية واضحة، أم أن هناك اعتبارات أخرى ساهمت في الوصول إليه، خصوصاً في ظل غياب توضيح رسمي مفصل للرأي العام والطلبة والأساتذة بشأن أسباب سحب هذا التخصص من عرض التكوين.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة بالنظر إلى طبيعة الشعبة نفسها، باعتبار أن التكوين في مجالات اللوجستيك والهندسة الصناعية يرتبط، نظرياً، بحاجيات عدد من القطاعات الإنتاجية والاقتصادية وسوق الشغل، وهو ما يجعل إلغاء أو عدم إطلاق مثل هذا التكوين قراراً يفترض أن يستند إلى دراسة بيداغوجية ومؤسساتية واضحة وقابلة للنقاش.
وتطرح القضية أيضاً مفارقة أخرى تستحق التوضيح، تتمثل في أن شعبة اللوجستيك والهندسة الصناعية، أو ما تم تقديمه في بعض الوثائق بصيغة “الهندسة الصناعية”، كانت، بحسب ما يتم تداوله في المحيط الجامعي، جزءاً من مشروع لتطوير المؤسسة قُدم في سياق المنافسة على منصب إدارة المدرسة.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: ما الذي تغير بين مرحلة تقديم المشروع ومرحلة اتخاذ قرار إلغاء الشعبة؟ وما هي المعطيات أو المستجدات الأكاديمية والتنظيمية التي جعلت تخصصاً يندرج ضمن تصور سابق لتطوير المؤسسة يتحول لاحقاً إلى موضوع نزاع إداري واحتمال طعن قضائي؟
وبموازاة ملف الشعبة، تثار داخل المحيط الجامعي تساؤلات أخرى بشأن منصب أستاذ سبق أن تم توظيفه لفائدة المؤسسة في تخصص الاقتصاد، حيث يطالب متتبعون بتوضيح الأساس الأكاديمي والتنظيمي الذي بني عليه هذا التوظيف، خاصة في ما يتعلق بانسجام التخصص مع عرض التكوين والاختصاصات العلمية التي يفترض أن تضطلع بها المدرسة.
كما تُثار، في السياق نفسه، تساؤلات بشأن توقيت إحداث هذا المنصب والظروف المحيطة به، مع تداول معطيات تربطه بتوظيف شقيقة مديرة المدرسة، بالمدرسة العليا للتكنولوجيا بتطوان، غير أن هذه المعطيات تظل بحاجة إلى وثائق وتوضيحات رسمية من المؤسسات المعنية، ولا يمكن اعتمادها لوحدها لإثبات وجود تضارب مصالح أو محاباة أو أي ممارسة مخالفة للقانون.
وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة لأن قضايا التوظيف في مؤسسات التعليم العالي تخضع لمساطر وشروط محددة، ويظل الفيصل في تقييم سلامتها هو مدى احترام القواعد القانونية والإدارية، وشفافية الإعلان والانتقاء والتعيين، ومدى استيفاء المرشحين للشروط المطلوبة.
ولا تتوقف الأسئلة عند هذا الحد، إذ بدأ ملف الشعبة يفتح نقاشاً أوسع حول طريقة تدبير المؤسسة، في وقت تتردد فيه، وفق مصادر متتبعة، تساؤلات بشأن ملفات إدارية ومالية أخرى قد تصبح موضع نقاش مع انطلاق الموسم الجامعي الجديد.
وفي حال انتقل النزاع فعلاً إلى القضاء، فإن قرار الإلغاء ومساره الإداري والوثائق التي استند إليها سيكونان خاضعين لفحص مؤسساتي وقانوني أكثر دقة، وهو ما قد يتيح الوقوف على الأسس الحقيقية للقرار، وتحديد الجهات التي شاركت في مساره، ومدى احترام الإجراءات المعمول بها.
ومن هذه الزاوية، لم يعد الملف مجرد خلاف حول شعبة تكوينية، بل أصبح سؤالاً حول الحكامة الجامعية، وشفافية اتخاذ القرار، وكيفية تحديد الأولويات في عروض التكوين، خصوصاً عندما يكون التخصص المعني قد ظهر في مرحلة سابقة ضمن مشروع لتطوير المؤسسة.
كما أن النقاش يمتد إلى ما يترتب عن أي تغيير مفاجئ في عروض التكوين بالنسبة إلى الطلبة والأساتذة، وإلى مدى ضرورة ربط مثل هذه القرارات بمعايير واضحة، من قبيل الحاجة البيداغوجية، والإمكانات البشرية، والبنية التحتية، والآفاق المهنية للخريجين، بدل أن تظل المبررات غائبة عن الرأي العام الجامعي.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه المعنيون مآل المسطرة الإدارية، تبرز الحاجة إلى توضيحات رسمية وشاملة من إدارة المؤسسة والجامعة والوزارة المعنية، ليس فقط بشأن مصير شعبة اللوجستيك والهندسة الصناعية، وإنما أيضاً بشأن المعايير التي حكمت إعداد عروض التكوين والتوظيفات والقرارات المرتبطة بها.
فإذا كانت الشعبة قد أصبحت غير ملائمة لأسباب أكاديمية أو تنظيمية، فإن عرض هذه الأسباب بشكل واضح يظل كفيلاً بإنهاء جانب مهم من الجدل. وإذا كان القرار قابلاً للمراجعة، فإن فتح حوار مؤسساتي مع الأساتذة والطلبة والفرق المعنية قد يكون مدخلاً لمعالجة الإشكال قبل انتقاله إلى القضاء.
وفي جميع الأحوال، تضع هذه القضية المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بالحسيمة أمام اختبار يتعلق بقدرتها على تقديم إجابات واضحة حول مسار الشعبة، وأسباب إلغائها، ومبررات بعض التوظيفات، وكيفية تدبير الملفات الإدارية والبيداغوجية.
وبين انتظار القرار الإداري واحتمال فتح المسار القضائي، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يتعلق الأمر بقرار أكاديمي صرف فرضته معطيات موضوعية، أم أن المؤسسة مطالبة بتقديم رواية أكثر تفصيلاً لتوضيح ما الذي حدث فعلاً بين مشروع تطوير الشعبة وقرار إلغائها؟
تعليقات الزوار