هبة زووم – ورزازات
في الوقت الذي تتحدث فيه وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة عن الحكامة والرقمنة وتحديث الإدارة وحماية المعطيات، تبدو الصورة القادمة من مدرسة أصديف بجماعة إزناكن بإقليم ورزازات وكأنها تنتمي إلى زمن إداري آخر؛ أوراق ووثائق مدرسية مبعثرة في محيط مؤسسة تعليمية، تتضمن، بحسب المعطيات المتداولة، بيانات شخصية مرتبطة بتلاميذ سبق لهم الدراسة بالمؤسسة.
المشهد، إذا تأكدت تفاصيله، لا يتعلق بمجرد أوراق قديمة انتهت صلاحيتها، ولا بمخلفات ورقية يمكن التخلص منها كيفما اتفق، بل يضع طريقة تدبير الأرشيف المدرسي تحت المجهر، ويفرض على المسؤولين تقديم توضيحات صريحة حول الجهة التي قررت التخلص من هذه الوثائق، والطريقة التي تمت بها العملية، والضمانات التي اتخذت لحماية المعطيات الواردة فيها.
فكيف يعقل أن تتحول وثائق تخص تلاميذ وأسرهم إلى أوراق مرمية في العراء؟ ومن أعطى الضوء الأخضر لهذه الطريقة في التخلص من الأرشيف؟ وهل هناك مسطرة إدارية واضحة تم احترامها، أم أن الأمر جرى بمنطق “تخلصوا من كل ما لم تعد الإدارة بحاجة إليه”؟
المثير في هذه الواقعة أن الأمر يتعلق بمدرسة أصديف، التي تعد من المؤسسات التعليمية القديمة بالإقليم، والتي كانت لسنوات مؤسسة مركزية ومجموعة مدرسية.
وهذا يعني أن أرشيفها ليس مجرد رزمة من الأوراق عديمة القيمة، بل هو جزء من ذاكرة مؤسسة تعليمية مر منها عدد كبير من أبناء المنطقة، ومن المفترض أن يكون التعامل معه خاضعاً لمنهجية دقيقة تحدد ما يجب الاحتفاظ به، وما يمكن إتلافه، وكيفية الإتلاف، ومن يتحمل مسؤولية كل مرحلة.
أما أن تنتهي وثائق مدرسية في محيط المؤسسة، وهي تحمل بيانات يمكن أن تكشف هوية تلاميذ سابقين، فذلك يفتح الباب أمام أسئلة محرجة حول مستوى اليقظة الإدارية داخل المؤسسة، وحول مدى احترام قواعد حفظ الوثائق والتعامل مع المعلومات ذات الطابع الشخصي.
المسألة الأكثر خطورة ليست في الورق ذاته، وإنما في المعلومات التي يحملها، فالمؤسسة التعليمية تتوفر على بيانات تخص التلاميذ وأسرهم ومساراتهم الدراسية، وهي معطيات لا يفترض أن تتحول إلى مادة متاحة لأي شخص يعثر عليها في الشارع أو بجانب سور المؤسسة.
وإذا ثبت أن وثائق تحتوي بالفعل على معطيات شخصية تم التخلص منها بهذه الطريقة، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: “من رمى الأوراق؟”، بل أيضاً: من سمح بأن تصبح معلومات التلاميذ مكشوفة بهذا الشكل؟ وهل تم تمزيق الوثائق أو إتلافها بطريقة تجعل استرجاع المعلومات الواردة فيها مستحيلاً؟ أم أن العملية اقتصرت على إخراجها من المؤسسة وتركها في العراء؟ هذه ليست تفاصيل تقنية هامشية، بل صلب المسؤولية الإدارية.
المفارقة أن المؤسسات التعليمية تسير اليوم نحو رقمنة جزء كبير من خدماتها وتدبيرها الإداري، وتتحدث الوزارة باستمرار عن تحديث الإدارة وتطوير طرق العمل، لكن الرقمنة لا قيمة لها إذا ظلت العقليات القديمة حاضرة في التعامل مع الوثائق الورقية.
فلا يمكن الحديث عن إدارة حديثة بينما يتم التعامل مع الأرشيف بمنطق عشوائي، ولا يمكن رفع شعار حماية المعطيات الشخصية إذا كانت الوثائق التي تحتوي عليها قد تجد طريقها إلى خارج المؤسسة دون توضيح للملابسات.
الحكامة ليست منصة إلكترونية ولا شعاراً في مذكرة إدارية؛ الحكامة تبدأ من أبسط وثيقة داخل الإدارة، ومن طريقة حفظها إلى طريقة التخلص منها.
الكرة الآن في ملعب المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بورزازات، التي يفترض أن تقدم توضيحاً للرأي العام حول حقيقة الواقعة، هل يتعلق الأمر فعلاً بأرشيف قديم تقرر إتلافه؟ ومن اتخذ القرار؟ وهل تم احترام المساطر المعمول بها في تصفية الأرشيف؟ وهل خضعت الوثائق لجرد مسبق؟ وهل تم التأكد من عدم وجود وثائق يتعين الاحتفاظ بها؟
ثم، وهو السؤال الأهم: كيف انتهت هذه الوثائق في محيط المؤسسة بدل أن يتم إتلافها وفق طريقة تضمن حماية المعطيات الواردة فيها؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ليست ترفاً إعلامياً، ولا محاولة لتضخيم واقعة محلية، وإنما تدخل في صميم المسؤولية الإدارية وحماية حقوق التلاميذ وأسرهم.
إذا تبين أن العملية تمت وفق المساطر القانونية والإدارية، فمن حق الرأي العام معرفة ذلك، ومن واجب الإدارة تقديم المعطيات التي تثبت سلامة العملية، أما إذا كشفت المعاينة أو التحقيق الإداري عن اختلالات، فإن المطلوب هو تحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرارها.
فالسكوت عن مثل هذه الوقائع، إن صحت، قد يجعل الخطأ الإداري يتحول إلى ممارسة عادية، بينما يفترض أن تكون المؤسسات التعليمية نموذجاً في احترام الوثائق وحماية بيانات التلاميذ.
فمدرسة أصديف ليست مطرحاً للنفايات الورقية، وأرشيف التلاميذ ليس ملكاً لمن يريد التخلص منه كيفما شاء، وإذا كانت الوزارة تريد فعلاً إدارة تعليمية حديثة، فإن عليها أن تبدأ من التفاصيل التي لا تظهر في التقارير اللامعة: من يحفظ وثائق التلاميذ؟ من يقرر إتلافها؟ وكيف يتم ذلك؟ ومن يراقب العملية؟ تلك هي الأسئلة التي تنتظر جواباً واضحاً من الجهات المسؤولة في ورزازات، بعيداً عن الصمت الإداري والتبريرات الجاهزة.
تعليقات الزوار