مهرجان “كناوة” نشر التفسخ الأخلاقي باسم الثقافة

  الصويرة مدينة هادئة ساكنة على امتداد السنة، بحيث إذا عسعس ليلها، صمت أهلها ونطقت أمواج شاطئها الجميل المتكسرة على رمالها الذهبية، وحده هدير البحر يكسر رتابة الصمت الجاثم على قلب المدينة.
هذه هي مدينة الصويرة، كل سكانها مسالمون، نساء مدينتها القديمة ما زلن يحافظن على اللباس المغربي التقليدي “الحيك والنقاب”.

   غير أن هذه المدينة وفي مثل هذا الوقت من كل سنة، تفسخ هذا اللباس، وتلبس لباسا آخر غير لباسها، تتلون كحرباء، فتظهر بوجه ثان، يختلف عن وجهها المعهود شكلا ومضمونا.

   إنه موعد مهرجان “كناوة” أو “الفستفال” الاسم الأكثر شهرة للمهرجان، تخرج الصويرة عن هدوئها وسكونها، فتستقبل آلاف الغرباء والدخلاء عن المدينة، رجالا ونساء، أغلبهم شباب، يأتون من كل صوب وحدب ليشهدوا أياما من الفساد الأخلاقي، ويلتقوا بمرضى الجنس والشذوذ من الذكور والإناث من جميع أنحاء المغرب الحبيب.
وسرعان ما تنتقل العدوى إلى عدد كبير من أبناء وبنات المدينة، فيختلط الحابل بالنابل، ويرفع الحياء بينما ينصب إبليس عرشه، وينظر إلى رعاياه بنظرة الرضا والاطمئنان.

   كثير من البيوت التي كانت طيلة السنة معابد ومحاريب لساكنيها من الرجال والنساء تفقد عذريتها في المهرجان، فتتحول أسرّتها إلى أوكار للدعارة وممارسة الشذوذ بجميع أنواعه.
تجتمع الأسرتان والثلاث في بيت واحد وتكتري باقي البيوت لطالبي المتعة الحلال والحرام على حد سواء.

    قبل أن تتوقف الحافلات على أرصفة المحطة، ويأخذ سائقوها نفسا، تباغتها أفواج من الرجال والنساء حاملين مفاتيح في أيديهم يقترحون على الزائرين شققا وبيوتا للكراء، وفي أغلب الأحيان يكون هؤلاء سماسرة فقط، تتفاجأ عندما تبادرك إحدى النساء المنقبات بالسؤال:”تريد شقة، أو بيتا؟ عندي الفارغ والعام، وكل مل تريدر”، ربما تتساءل إذا كنت زائرا لأول مرة: ماذا تقصدين بالفارغ والعامر؟ حينها تسمع الجواب الذي يكشف لك أن خلف النقاب شيطانا يغوي : عندي شقق وبيوت بنسائها إذا أردت.

   هذا أول برهان، وإذا عرجت على الشارع، لا تكاد تصدق أنك في الصويرة المدينة الخجولة؛ نساء من أعمار مختلفة من بنات العشر إلى بنات الأربعين فما فوق، قد كشفن عن مفاتنهن بشكل فاضح، كأن الأمر يتعلق باستعراض نسوي، لا تكاد تجد واحدة منهن من غير ذكر في جنبها، وإذا نظرت في وجه إحداهن تبادرك بالابتسام والغمز والإغراء والمراودة.
مشهد يهتك ستر  الحياء؛ أزواج من الذكور والإناث في شتى الأوضاع : عناق، وتقبيل، وتلاصق على مستوى أكثر الأماكن حساسية في الأجساد.
يرتدي أغلب هؤلاء سراويل ممزقة من جهة عوراتهم، ذكور أطلقوا شعورهم، ووضعو الأقراط في آذانهم وأنوفهم، وإناث قطعن شعورهن وقصرن لباسهن وتجملن للإغراء، والكل يمشي في دلال حتى لا تكاد تميز ذكورهم من إناثهم.

   وعندما يحل الليل، تبيت المدينة على غليان لا نظير له، ينشط الفساد، وخصوصا حول المنصات، حيث “يحمى الطرح” على الخشبة ويوازيه غليان الجمهور المتكدس في وضع بهائمي مخل بالحياء، حيث لا تراعى حرمة، ولا يصان عرض، فتلتصق الأجسام ببعضها، وتتحدث العيون والألسنة بلغة الغزل الإباحي، والكل يرقص، في هستريا لا توصف.
ويستمر السمر إلى وقت متأخر من الليل، ثم تتفرق الجموع لتكمل فصول السهرة،؛ الميسورون يكملونها في الفنادق الفاخرة وغير الفاخرة، ودونهم في البيوت المكتراة بأثمنة خيالية، وأما الذين لا يملكون سومة الكراء فإنهم يفضلون إكمال سهراتهم بالمباشر على رمال الشاطئ وأرصفة الشوارع غير مكترثين ولا مراعين لحياء.

   في البيوت، يحدث مالا يخطر على بال؛ مشاهد إباحية مخلة بالحياء على بث مباشر عبر النوافذ وتحت الأضواء الكاشفة: سكر، ودخان، وعربدة، وقهقهات نساء، وممارسات إباحية في مجموعات بشرية تتخلى عن بشريتها لصالح الرغبات البهائمية.

   كل هذا يجري تحت أعين رجال الأمن الذين يقفون وقفة المتفرج على المدينة المتحولة إلى ساحات للعروض الإباحية؛ يقفون وقفة المشاهد لا يحركون ساكنا، بل منهم من لا يراعي حرمة عمله فيترك دوره في “الكامبارس” ليتحول إلى ممثل أيضا.
لا يردعه لباسه عن ارتكاب ما يرتكب غيره.

   إن الصويرة مدينة يُكاد لها من قريب ومن بعيد، ويُراد لها أن تنسلخ من تقاليدها ومن حيائها لتواكب ثقافة الانحلال والتفسخ، ولا غرابة في ذلك فالمدينة يحكمها اليهود منذ زمن بعيد.
لكن العجب كل العجب لسكانها، فالمدينة مهمشة اقتصاديا؛ فلا مصانع ولا شركات لتوفير مناصب شغل لأبنائها العاطلين، ومهمشة اجتماعيا؛ فلا جمعيات حقيقية ولا تعاونيات حقيقية، ولا برامج دعم اجتماعية.
ومهمشة ثقافيا؛ فلا دور شباب مفعّلة، ولا مكتبات تفي بالغرض، ولا مسارح.
بل أستغرب عندما أطوف على مكتباتها باحثا عن أشهر مجلتين عربيتين (عالم الفكر وعالم المعرف) فلا أجدهما أحيانا، ورغم كل هذا التهميش ترى أهلها يفرحون بمثل هذا المهرجان ويسارعون إليه.
فما جدوى مهرجان كناوة في مدينة هذا حالها؟ وماذا يستفيد أبناء المدينة منه؟.

   ومن الطوام الكبرى أن المهرجان يتزامن مع قرب موعد الامتحان الجهوي للسنة الأولى بكالوريا، والسنة الثالثة إعدادي، فترى التلاميذ يهجرون كتبهم ومراجعهم ويذهبون للمهرجان.

  يقولون إن المهرجان يعتبر محطة ثقافية، فعن أي ثقافة يتحدثون، نحن لسنا ضد الثقافة أبدا، ولكن هل الثقافة هي العري، والإباحية، وكشف لثام الحياء؟ هل الثقافة هي “الشطيح والجديب؟” نساء ورجالا في صعيد واحد؟ هل الثقافة أصبحت رديفة الانحلال الأخلاقي؟

   إنما الثقافة بالعلم، وبالمسرح الهادف، وبالموسيقى الأنيقة، وبالتشكيل، وبالتراث الموروث، وبتشييد الخزانات، وبتشجيع الشباب على الإبداع الهادف، وبخلق فضاءات إبداعية.
هكذا تثقف الأمم التي تحترم الإنسان شعوبها.

بقلم : ميلود عرنيبة

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد