هبة زووم – سطات
في زمن أصبحت فيه التنمية مرادفًا للسيادة ومقياسًا لمشروعية المواقف السياسية، احتضنت جماعة رأس العين الشاوية (إقليم سطات)، يوم الاثنين 5 ماي 2025، ندوة فكرية استثنائية نظمتها جمعية الشعلة للأنشطة التربوية والثقافية والرياضية بشراكة مع المجلس الجماعي المحلي، ضمن فعاليات الدورة الرابعة عشرة لمهرجان رأس العين، وجاءت لتعيد طرح قضية الصحراء المغربية من زاوية تُزاوج بين العمق الجيو-استراتيجي والنموذج التنموي المتقدم.
الندوة التي احتضنتها الثانوية الإعدادية رأس العين وأدارها الأستاذ المختار سجاع، عرفت مشاركة أكاديمية متميزة للدكتور عزيز أغبالي المرابط، رئيس الائتلاف الوطني للدفاع عن مقدسات المملكة، والدكتور علي الغنبوري، رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، واللذين قدما مقاربات علمية تسبر أغوار التحول المغربي من الدفاع التقليدي عن الصحراء إلى ترسيخ منطق “التنمية كخط دفاع أول”.
أشار الدكتور علي الغنبوري في مستهل مداخلته إلى أن المغرب لم يعد ينظر إلى الأقاليم الجنوبية بوصفها فقط حدودًا جغرافية أو نقاط تماس دبلوماسي، بل كمجال استثماري وجسر للتكامل مع العمق الإفريقي.
واستعرض الغنبوري أبرز المشاريع الكبرى التي تشهدها الصحراء المغربية، وعلى رأسها مشروع أنبوب الغاز المغرب-نيجيريا، ومبادرة تمكين دول الساحل من منفذ أطلسي، معتبراً أن هذه المشاريع ليست مجرد أوراش اقتصادية، بل هي مداخل لإعادة رسم الخريطة الجيو-استراتيجية للمنطقة.
في ذات السياق، ألح الغنبوري على ضرورة ربط التنمية في الصحراء بمفهوم “السيادة الإنتاجية”، أي قدرة الدولة على ترسيخ وجودها من خلال الخدمات، والبنية التحتية، وفرص الشغل، وربط الإنسان بالمجال عبر الإقناع لا الإكراه.
من جانبه، أكد الدكتور عزيز أغبالي المرابط أن المغرب انتقل من الدفاع القانوني والتاريخي عن الصحراء – استنادًا إلى روابط البيعة والمشروعية التاريخية – إلى الدفاع الميداني عبر التنمية المستدامة والمشاريع الكبرى.
وشدد أغبالي على أن الطرح المغربي للحكم الذاتي لا يمكن فصله عن المسار التنموي الذي اختارته الدولة في الأقاليم الجنوبية، والذي يشمل مجالات حيوية كالتعليم، الصحة، الطاقات المتجددة، والنقل.
وأضاف أغبالي أن المغرب يقدم نموذجًا متفردًا في التعاطي مع النزاعات الإقليمية، من خلال تثبيت الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي كبديل عن منطق التوتر والصدام، مما يُربك الأطروحات الانفصالية التي باتت تفتقد للمصداقية أمام منجزات ميدانية ملموسة.
الندوة الفكرية شكلت لحظة تأمل جماعي في التحول الذي تعرفه العقيدة الوطنية تجاه قضية الصحراء، حيث لم تعد هذه الأخيرة مجرد نزاع جيوسياسي بل قضية وجودية ترتبط بالهوية والكرامة والسيادة.
كما شددت المداخلات على ضرورة إشراك المجتمع المدني، والنخب المحلية، والشباب، في الدفاع عن هذه القضية من منطلق المواطنة المنتجة لا الخطابات الجوفاء.
وتندرج هذه الندوة ضمن رؤية ثقافية شاملة تعمل على تحويل مهرجان رأس العين الشاوية من تظاهرة فنية إلى منصة فكرية لمواكبة القضايا الوطنية الكبرى، في لحظة إقليمية ودولية دقيقة، تقتضي الحذر والتعبئة وتعزيز الثقة في المشروع الوطني المتكامل.
تعليقات الزوار