المبصاريون يعلنون العصيان ضد “مافيا التكوين” وصمت الدولة

هبة زووم – الرباط
في تحذير شديد اللهجة ينذر بانفجار قادم داخل أحد القطاعات الصحية الأكثر حساسية، أعلنت النقابة المهنية الوطنية للمبصاريين بالمغرب عن خوض إضراب وطني شامل يوم الإثنين 23 يونيو 2025، مصحوبًا بوقفة احتجاجية أمام مقر وزارة الإدماج الاقتصادي والتشغيل، وذلك رفضًا لما وصفته بـ”الانهيار التام لمنظومة التكوين في البصريات”، و”تفشي بيع الشهادات في أسواق موازية تستغل تواطؤ الصمت الرسمي”.
الصرخة النقابية هذه المرة لا تنطلق من هواجس مهنية ضيقة، بل من قلق جماعي يتقاسمه آلاف المهنيين حول مصير صحة بصرية لملايين المغاربة، في ظل انتشار “دكاكين تعليمية” تمنح شهادات مهنية بمقابل مالي، دون احترام أدنى شروط التكوين العلمي أو التأطير الأكاديمي.
وفي بيان شديد النبرة، نددت النقابة بـ”حالة الفوضى التي يعرفها القطاع منذ سنوات”، مؤكدة أن البصريات لم تعد مهنة طبية تُمارس وفق معايير علمية، بل أصبحت منفذًا مفتوحًا أمام الانتهازيين والدخلاء بفضل غياب الرقابة، وتواطؤ بعض مؤسسات تكوين خاص تفتقر لأي شرعية أكاديمية.
ولم تُخفِ النقابة اتهامها المباشر للحكومة، وخصوصًا وزارتي الصحة والتشغيل، بالتقاعس عن حماية مهنة تتصل بشكل مباشر بسلامة المواطنين، معتبرة أن تأخر إصدار المراسيم التطبيقية للقانون 45.13 حول تنظيم المهن شبه الطبية، هو المدخل الأول لكل هذا الانفلات.
تحذيرات النقابة ترتكز على معطيات ميدانية دقيقة، تفيد بأن شواهد البصريات تباع في مؤسسات تكوين خاص لا تخضع للمراقبة، ولا تلتزم بأي معايير بيداغوجية أو طبية، مما أفرز جيلاً من الممارسين غير المؤهلين، الذين يمارسون مهنة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بصحة الإنسان، دون علم أو تجربة، فقط بـ”ورقة مزوّرة وختم مطبوع”.
ولعلّ ما يزيد الطين بلّة، هو استمرار تدريس شعبة البصريات داخل مؤسسات التكوين المهني، دون مراجعة حقيقية لحاجة السوق أو جودة البرامج، في وقت تؤكد فيه النقابة أن القطاع بلغ درجة “التشبع والانفجار المهني”.
في رسالتها الموجهة للحكومة، دعت النقابة إلى حزمة إجراءات عاجلة: إيقاف تسجيل الطلبة الجدد في شعبة البصريات فورًا، فتح تحقيق وطني في ظاهرة بيع الشهادات المهنية، وقف منح التراخيص لمؤسسات التكوين غير المؤهلة، التعجيل بإصدار المراسيم التطبيقية للقانون 45.13 وتشديد شروط ولوج المهنة، بما يحفظ كرامة المبصاري ويحمي صحة المواطن.
وراء هذا الاحتقان، تكمن أزمة أعمق تتجاوز قطاع البصريات. إنها أزمة سياسات عمومية تتعامل مع التكوين كسلعة، ومع القطاعات الصحية كمجالات للتساهل الإداري، لا كمقدسات مرتبطة بأمن المواطن.
فسكوت الحكومة عن هذا الانفلات، يقول أن أحد النقابيين، واستمرار العمل بشواهد لا تعكس أي تكوين علمي حقيقي، هو تواطؤ ضمني مع الجريمة، سواء قصدًا أو إهمالاً.
المبصاريون الذين يقفون اليوم أمام مقر الوزارة، لا يطالبون برفع الأجور، ولا بتحسين ظروف الاشتغال، بل يرفعون مطلبًا واحدًا: إنقاذ المهنة من الانهيار، وإنقاذ المواطنين من الخطر القادم من خلف نظارات بلا عدسات علمية.
وإذا كانت الحكومة تتبجح بشعارات الصحة الجيدة والتكوين العصري، فإن هذا الملف يضعها في مرمى المحاسبة: هل تملك شجاعة إعادة النظر؟ أم تواصل دفن رأسها في الرمال حتى يتحول القطاع إلى مقبرة للثقة والمهنية؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد