“رؤية لا يراها إلا هو”.. والي بني ملال يرسم قاطرة تنمية على الورق وسط مدينة تئن تحت أعطاب الترييف

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في مشهد بات مألوفًا، خرج والي جهة بني ملال–خنيفرة، محمد بنرباك، لتقديم جرعة أخرى من الوعود التنموية المتكررة، لكن هذه المرة محمولة على عناوين “رؤية متكاملة”، يتحدث عنها بإسهاب كما لو أنها قيد التحقق، بينما تئن المدينة تحت وطأة واقع عمراني هش، وبنيات تحتية متآكلة، وتوسع شبه فوضوي للقطاع غير المهيكل.
أمام مسؤولي المجالس المنتخبة وممثلي المصالح الخارجية والصحافة المحلية، قدم بنرباك تفاصيل مشروع تأهيل مداخل مدينة بني ملال، باعتباره مدخلاً لإعادة صياغة جاذبية المدينة، وواجهة لما أسماها “استراتيجية تنموية شاملة”، تراهن – كما قال – على جعل عاصمة الجهة قاطرة للإقلاع الاقتصادي، في مشهد أقرب إلى خطاب علاقات عامة منه إلى قراءة ميدانية عميقة للواقع.
مشاريع ضخمة على ورق لامع
اتفاقية تأهيل المداخل، التي تبلغ كلفتها ما يفوق 482 مليون درهم، تضم تحسين الإنارة، تشجير المساحات، ومحاربة مظاهر الترييف كـ”تجوال الدواب” و”تربية المواشي على الأرصفة”، وهي عبارات وُضعت في سياق يثير الانتباه أكثر مما يبعث على الطمأنينة.
فحين تتحول معالجة هذه الظواهر إلى لبّ المشروع، تتبادر إلى الأذهان أسئلة محرجة حول أولويات التنمية في مدينة بحجم بني ملال، ما تزال تعاني من هشاشة في خدمات النقل، تدهور الفضاءات العمومية، وغياب بنية اقتصادية جاذبة للاستثمار الحقيقي.
ويقول الوالي إن هذه المشاريع، التي تتوزع على مداخل المدينة من جهات مراكش، تادلة، الفقيه بن صالح وعين أسردون، تقوم على مقاربة بيئية من خلال استخدام المياه المعالجة لسقي المساحات الخضراء.
مقاربة بيئية قد تبدو جميلة في خطاب رسمي، لكنها تصطدم بواقع مدينة ما تزال شوارعها تختنق بالنفايات، ويغيب فيها تدبير متكامل للنسيج الحضري.
الصمت عن أسئلة التنمية الحقيقية
ورغم ضخامة الغلاف المالي الذي يشمل مساهمات من وزارة الداخلية، مجلس الجهة، المجلس الإقليمي، والجماعة الترابية، فإن ملامح المشروع تفتقر إلى روح الابتكار، ويطغى عليها منطق “التأهيل التجميلي” لا أكثر.
فهل تأهيل المداخل سيغير واقع الهشاشة الاجتماعية؟ وهل طلاء الأرصفة سيقنع المستثمرين باستثمار في منطقة تعاني من ضعف الخدمات، وجمود في دينامية التشغيل؟
في المقابل، تحدث الوالي عن مشاريع كبرى من قبيل المنطقة اللوجيستيكية و”سابينو”، التي سبق أن أطلقها جلالة الملك منذ 2014، في تذكير بإرث ملكي تحوّل إلى مجرد عنوان دون مضمون فعلي.
فالمشاريع الموعودة لا تزال تراوح مكانها، في ظل بيروقراطية قاتلة، ومناخ استثماري لا يواكب شعارات الدولة في هذا المجال.
من “العشوائيات” إلى التجميل الظرفي
وعد الوالي بأن الإشكالات المرتبطة بالترييف والفوضى الحضرية أصبحت تحت السيطرة. لكن الوقائع الميدانية – من انتشار الباعة الجائلين، إلى مظاهر البناء غير القانوني، وغياب الصيانة الدورية للمرافق العمومية – تروي حكاية مختلفة تمامًا.
هيمنة الفوضى ما تزال العنوان الأبرز للمشهد الحضري، ولا يبدو أن اتفاقية واحدة يمكنها قلب هذا الواقع رأسًا على عقب.
أما ما وصفه بتسريع وتيرة تغطية الإقليم بوثائق التعمير، فحتى منطقة فم أودي – التي أشار إليها كمثال – لا تزال تشكو من تأخر مزمن في تنزيل هذه الوثائق، وسط توتر العلاقة بين المواطن وإدارة التعمير.
إعلام “النكافة”.. والضحك على الذقون
لم يفت الوالي أن يصطحب معه بعض وسائل الإعلام المحلي لتسويق خطابه، في مشهد وصفه الملاليون بنبرة ساخرة بأنه “عرس تنموي بالنكافة الإعلامية”، في إشارة إلى حضور صحافة لا تناقش ولا تنتقد، بل تكتفي بإعادة تدوير بلاغات رسمية كأنها حقائق مقدسة، في وقت تتطلب فيه المرحلة نقاشًا عموميًا حقيقيًا، ومساءلة علنية للمسؤولين.
مدينة تحتاج أكثر من رؤية
في ختام كلمته، عبّر محمد بنرباك عن ثقته في نجاح هذه المشاريع، معلنًا انفتاحه على الملاحظات، لكن سكان بني ملال، الذين سئموا من العروض البروتوكولية، لا ينتظرون وعودًا أخرى، بل إجابات حقيقية عن فشل التنمية المستمر، وعجز الجهات الوصية عن إخراج المدينة من نفق التهميش المزمن.
فالرؤية التي يتحدث عنها الوالي، لا يراها كثير من الملاليين إلا في الصور المجملة، والعروض المضيئة، أما على الأرض، فما تزال المدينة تبحث عن قطار التنمية، الذي يمر بمحطاتها ولا يتوقف.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد