حسن غربي – الحسيمة
تعيش مدينة الحسيمة هذه الأيام على صفيح ساخن من الجدل والاستياء الشعبي، إثر تفجّر قضية توزيع رخص العربات المتجولة بطريقة وصفها نشطاء المجتمع المدني بـ”الانتقائية والمحاباة”، ما أعاد إلى الواجهة سؤال الشفافية والمساءلة في تدبير الشأن المحلي.
وحسب معطيات متداولة بين عدد من الفاعلين المحليين والمواطنين، فقد تم منح هذه الرخص لأشخاص لا تتوفر فيهم الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي يُفترض أن تُعتمد كمعيار أول في مثل هذه العمليات، فيما تم تجاهل فئات تعيش الهشاشة الحقيقية، من عاطلين عن العمل وذوي الاحتياجات الخاصة وأسر معوزة بالكاد تقاوم من أجل لقمة العيش.
ما زاد من حدة الغضب الشعبي، هو الشعور بأن هذه الرخص أصبحت أداة لتوزيع “الامتيازات” لا وسيلة للتمكين الاجتماعي، في ظل غياب معايير شفافة تُحدد من يستحق فعلاً الاستفادة.
أكثر من ذلك، يتم تداول أن المستفيدين هم في الغالب مقربون من دوائر الأغلبية المسيرة للمجلس الجماعي أو محسوبين عليها، ما يحولها إلى “مكافآت سياسية” بدل أن تكون تدخلاً اجتماعياً عادلاً.
هذا الوضع لا يمكن فصله، بحسب مراقبين، عن الغياب شبه الدائم لرئيس المجلس الجماعي عن الحسيمة، وهو ما يُثير تساؤلات مشروعة حول مدى متابعته لما يجري داخل الجماعة، ومدى جديته في تحمل مسؤولياته التمثيلية والتنفيذية، خاصة في قضايا ذات حساسية اجتماعية عالية.
إن توزيع الرخص، كما يؤكد عدد من الحقوقيين، ليست مجرد عملية إدارية، بل هي قرار سياسي وأخلاقي يحمل في طياته مسؤولية كبرى، ويعكس توجهات المجلس في تدبير العدالة الاجتماعية والمجالية.
وبالتالي، فإن تحويل هذه الآلية إلى وسيلة لتصفية الحسابات أو شراء الصمت السياسي، يضرب في العمق مبادئ تكافؤ الفرص، ويُقوض الثقة في المؤسسات المنتخبة.
وفي ظل هذا السياق المتوتر، يطالب نشطاء محليون وممثلو جمعيات مدنية بـفتح تحقيق شفاف وعاجل للكشف عن لائحة المستفيدين، والمعايير المعتمدة في منح هذه الرخص، مع الدعوة إلى إعادة النظر في القرارات المتخذة، في حال ثبوت وجود تجاوزات أو إخلال بمبادئ الإنصاف.
فالحسيمة، التي تحملت لعقود تبعات التهميش التنموي، لا يمكن أن تتحول مجددًا إلى ساحة لتجريب سياسات الإقصاء والزبونية، ولا بد من الانتصار للعدالة الاجتماعية، عبر آليات دقيقة تُعيد الاعتبار للفئات الهشة، وتضع حداً لمنطق الريع المقنّع.
المطلوب اليوم من رئيس المجلس ليس فقط الظهور العابر، بل تحمل المسؤولية الكاملة، وتقديم التوضيحات الضرورية، احترامًا لثقة الناخبين، وصونًا لسمعة المدينة التي تستحق أن تكون نموذجًا في الحكامة المحلية لا مثالًا في الغموض والإقصاء.
تعليقات الزوار