هبة زووم – بني ملال
بعد وعودٍ كثيرة وحملاتٍ صاخبة أعلنت عن نهاية زمن الفوضى في بني ملال، تجد المدينة نفسها اليوم في مواجهة مشهد مألوف، لكنه محبط: عودة العربات المجرورة بالخيول، وتزايد مظاهر الترييف والفوضى وسط صمت رسمي غريب.
ظاهرة “الكرارس” التي لطالما اعتُبرت من مظاهر “القرية الكبيرة” التي أرادت المدينة تجاوزها، باتت اليوم عنوانًا بارزًا لفشلٍ إداري يكشف عن ضعف قبضة الوالي محمد بنرباك، رغم الآمال الكبيرة التي عقدت على تعيينه.
فمع بداية ولاية والي جهة بني ملال خنيفرة الجديد عرفت تحركات قوية ومشددة لمحاربة الترييف والعشوائية. تم حجز العربات، وتحرير الأرصفة، وتوجيه تعليمات صارمة لإعادة الهيبة للشارع العام، ما أعطى انطباعًا بأن مرحلة جديدة قد بدأت.
لكن سرعان ما تبيّن أن تلك الحملة كانت موسمية أو ظرفية، إذ عادت المدينة، تدريجيا، إلى المشاهد القديمة نفسها، بل تفاقمت بعض المظاهر في أحياء بعينها، لا سيما قرب المحطة الطرقية وسوق الأحد.
الحادثة الأخيرة التي شهدت اصطدام عربة مجرورة بسيارة خفيفة، وتسببت في أضرار مادية كبيرة، لم تكن سوى واحدة من تداعيات هذه العودة الفوضوية، والتي أصبحت تهدد السلامة المرورية، فضلًا عن تشويه صورة المدينة كعاصمة لجهة بأكملها.
إلى جانب ظاهرة “الكرارس”، تشهد الأرصفة والشوارع غزوًا جديدًا من قبل الباعة الجائلين وأرباب المقاهي والمحلات التجارية.
الأرصفة لم تعد للمشاة، بل تحوّلت إلى امتداد للمشاريع الخاصة، في غياب واضح لأي مراقبة من طرف السلطات المحلية، التي اختارت على ما يبدو مقعد المتفرج، تاركة المواطن يدفع ثمن الفوضى في كل تنقّل أو محاولة عبور.
هذا الواقع يضرب في العمق هيبة الدولة وحُرمة القانون، ويجعل من الشعارات الرسمية حول “التحضر” و”تهيئة المجال الحضري” مجرد أوراق لا وزن لها في الميدان.
الواقع الحالي في بني ملال يدفع ساكنتها إلى طرح أسئلة مشروعة: ماذا تبقى من تعليمات الوالي في بداية تعيينه؟ لماذا لم تتم مواكبة الحملة الأولى بخطط دائمة ومستدامة؟ من المسؤول عن التراجع الميداني؟ ولماذا يُترك المجال لعودة مظاهر العشوائية في مدينة يُفترض أنها تُراهن على مشاريع تنموية كبرى في إطار الجهوية المتقدمة؟
الإجابات الغائبة تزيد من الإحباط، خصوصًا أن الانطباع العام لدى المواطنين أن التعليمات تبخرت وأن الحزم كان فقط للاستهلاك الإعلامي، بينما الفاعلية على الأرض بقيت ضعيفة، ما سمح بعودة الوضع إلى أسوأ مما كان عليه.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تحتاج مدينة بني ملال إلى خطة حقيقية لإعادة النظام وتنظيم المجال العمومي، لا مجرّد تعليمات موسمية. وعلى الوالي بنرباك أن يُدرك أن رهان النجاح في تدبير مدينة بحجم بني ملال لا يُقاس بالنوايا أو الخرجات الإعلامية، بل بمدى الصرامة في التنفيذ والاستمرارية في تطبيق القانون.
فهل يستفيق المسؤولون قبل أن تترسخ الفوضى كواقع دائم؟ أم أن بني ملال ستُترك، مرّة أخرى، تائهة بين شعارات الإصلاح ومظاهر التراجع المقلقة؟
تعليقات الزوار