جرائم الأموال بالرباط تسدل الستار على ملف “بيع الأحكام” في تطوان بإدانة قضاة ومحامين ورجال أعمال بالسجن النافذ
هبة زووم – الرباط
في مشهد صادم وغير مسبوق، اختتمت غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالرباط، الفصل الأول من محاكمة توصف بأنها الأخطر في تاريخ القضاء المغربي المعاصر، والتي عُرفت إعلاميًا بـ”ملف بيع الأحكام بمحكمة الاستئناف بتطوان”.
المحاكمة كشفت عن شبكة عنكبوتية من الفساد القضائي، تضم قضاة ومحامين وموظفين ورجال أعمال، تمادت في تقويض أهم أركان العدالة: استقلال القضاء ونزاهة الأحكام.
القضية بدأت من تسجيلات صوتية مسرّبة، لم تكن صادرة عن صحفي استقصائي ولا عن جهة استخباراتية، بل عن زوجة القاضي المتهم الرئيسي، التي فجّرت قنبلة مدوية حين سلّمت للسلطات القضائية تسجيلاً يوثق تلقي طليقها رشاوى مالية مقابل التلاعب في مخرجات ملفات قضائية حساسة.
النيابة العامة تحركت بسرعة، وأوكلت للفرقة الوطنية للشرطة القضائية مهمة التحقيق العاجل تحت إشراف الوكيل العام للملك لدى محكمة جرائم الأموال، لتتوالى بعدها المفاجآت وتنكشف خيوط شبكة منظمة داخل دهاليز العدالة.
في جلسة الخميس الماضي، أسدلت المحكمة الستار على هذا الفصل بإدانة 16 متهمًا، يتقدمهم القاضي (ر.هـ)، الذي حكم عليه بثلاث سنوات حبسًا نافذًا، بينما نال زميله القاضي (ع.م) سنتين، واحدة منها موقوفة التنفيذ.
وشملت الأحكام أيضًا ثلاثة محامين من هيئة تطوان ومحامية من هيئة الجديدة، أدينوا بسنتين حبسًا نافذًا، فيما صدرت أحكام موقوفة التنفيذ في حق محامين آخرين وموثق من الجديدة، بينما برأت المحكمة محاميًا وموظفًا لعدم كفاية الأدلة.
ولم يسلم رجال الأعمال من المساءلة، حيث أدين “صاحب اللامبورغيني”، الشخصية المعروفة إعلاميًا، بسنة حبس نافذة، في قضية شكلت واحدة من المفاتيح التي كشفت طريقة اشتغال الشبكة.
أحد أكثر فصول المحاكمة تأثيرًا كان شهادة الزوجة السابقة للقاضي، التي أكدت بالوقائع والأسماء تلقي زوجها السابق مبالغ مالية لقاء تغيير مخرجات قضايا معينة، ولم تتردد في الإشارة إلى تورط أفراد من عائلته، بينهم موثق ومحامية.
المحكمة واجهت تفاصيل دقيقة: تسجيلات صوتية، تحويلات بنكية، وسطاء يتنقلون بين المكاتب، ومعلومات عن تدخلات مباشرة لتوجيه الأحكام القضائية نحو مخرجات مدفوعة مسبقًا.
هذه المحاكمة لا تقف فقط عند حدود إدانات جنائية لأفراد، بل تكشف عن أزمة بنيوية عميقة تعيشها منظومة العدالة، وتفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول آليات الرقابة، ومناعة القضاء، وإلى أي مدى يتم احترام قدسية منصب القاضي كحَكم نزيه بين الناس.
وبقدر ما شكلت المحاكمة صدمة، فإنها من وجه آخر، كانت لحظة فارقة لإعادة توجيه البوصلة نحو إصلاح حقيقي لجهاز العدالة، وضمان ألا تكرر التجربة السوداء لبيع الأحكام تحت الطاولات.
ملف “بيع الأحكام” في تطوان لن يُنسى قريبًا. هو علامة سوداء في مسار القضاء المغربي، لكنه في الوقت نفسه فرصة لبداية جديدة، تُبنى على الاعتراف بوجود الخلل، والعمل على إصلاحه من الجذور.
فهل يكون هذا الملف درسًا قاسيًا ولكنه مفيد؟ أم مجرد حلقة أخرى في سلسلة فضائح تُنسى بمجرد إطفاء الأضواء؟ وحدها الإرادة السياسية والمؤسساتية قادرة على الإجابة.