هبة زووم – حسن لعشير
في عز صيف اجتماعي محتقن، ومع بداية شهر غشت 2025، اختارت حكومة عزيز أخنوش أن تحيل على البرلمان مشروع قانون مثير للجدل، لا يتعلق لا بالشغل ولا بالصحة ولا بالهجرة، بل بتنظيم التعامل مع الحيوانات الضالة.
خطوة لم تمر مرور الكرام، بل فجّرت موجة من الغضب والسخرية لدى فئات واسعة من الشباب المغربي، الذين يرون في هذا المشروع ترتيبًا معكوسًا للأولويات في بلد يكاد يُختزل واقعه اليومي في معادلات البطالة، الغلاء، وانسداد الأفق.
مشروع القانون الجديد، الذي يحمل رقم 19.25، يرمي – بحسب المذكرة التقديمية – إلى الحد من أخطار الحيوانات الضالة على الصحة العامة، وتوفير إطار قانوني لحمايتها من الأمراض وسوء المعاملة.
لكنه في المقابل، وفي مادته الخامسة، يمنع المواطنين بشكل صارم من تقديم أي شكل من أشكال الرعاية لهذه الحيوانات، سواء بالإيواء أو الإطعام أو العلاج، خارج المساطر الرسمية.
هذا المنع الصريح لمبادرات إنسانية فردية – كانت على الدوام تقوم مقام الدولة الغائبة – فُهم من طرف كثير من المتتبعين على أنه تهديد مباشر لثقافة التضامن المجتمعي، وتكريس لمنطق المنع بدل التحفيز، خصوصًا في ظل غياب بدائل مؤسساتية فعالة.
هذا، وجاء هذا المشروع في سياق اجتماعي خانق، يتسم ببطالة مستشرية في صفوف الشباب، وأرقام مقلقة حول الهجرة غير النظامية، خاصة من الشمال المغربي.
شباب يغامر بحياته وسط أمواج المتوسط انطلاقًا من سواحل الفنيدق وبليونش، بينما حكومة أخنوش تُشهر القوانين في وجه من يطعم كلبًا أو يمد يد المساعدة لقطّ جائع.
ليس من الغريب إذن، أن يُقرأ مشروع القانون من طرف فئات واسعة من المواطنين باعتباره تعبيرًا صارخًا عن فشل حكومي مزمن في تشخيص أولويات المغاربة، بل وحتى استخفافًا بكرامة المواطن، حين تصبح الكلاب الضالة أولى من العاطلين، والقطط أهم من الطلاب المنقطعين، و”الرفق بالحيوان” أهم من “العدل للإنسان”.
المفارقة اللافتة، هي أن الحكومة نفسها لم تحرز أي تقدم ملموس في القوانين الأساسية المتعلقة بالتشغيل أو الحماية الاجتماعية أو إصلاح المنظومة التعليمية، لكنها تجد في “القطط والكلاب” ميدانًا خصبًا للتشريع والمراقبة والزجر.
وبدل أن تسائل الحكومة نفسها عن تقاعسها في تفعيل البرامج الكبرى، أو عن سبب عدم نجاعة مشاريع التنمية المحلية، أو حتى عن غياب أي خطة واضحة لتقليص الهجرة الشبابية، انشغلت – بكل جديّة – بصياغة مواد قانونية تمنع المغاربة من إطعام كلب أو معالجة قطة!
وبعيدًا عن المزايدات، لا أحد يعارض وجود إطار قانوني يؤطر العلاقة بالحيوانات الضالة، شريطة أن يتم ذلك في إطار استراتيجية متكاملة للصحة العمومية والسلامة البيئية، وليس في عزّ أزمة اجتماعية خانقة، وبطريقة فوقية تُكرس الانفصال بين الحكومة ومواطنيها.
ما نحتاجه اليوم ليس قوانين تُغلق ما تبقى من نوافذ التضامن، بل سياسات عمومية تُعيد الثقة للمواطن المغربي في دولته.
المواطن الذي ينتظر الشغل، والتعليم الجيد، والصحة، والأمن الغذائي، لا يرغب في حكومة تقايضه بـ”قانون للكلاب”، بل في حكومة تفهم أولوياته وتدافع عنها بقوة.
تعليقات الزوار