تاونات: مسيرة بوعروس تصطدم بجدار الإهمال قبل جدار الأمن

هبة زووم – تاوزنات
لم تكن المسافة التي قطعها عشرات المواطنين من قرية بوعروس، بإقليم تاونات، مجرد كيلومترات على الأقدام وسط تضاريس وعرة من جبال الريف، بل كانت رحلة تختصر عقودًا من التهميش والإقصاء.
فبعد ثلاث ساعات من السير، اصطدم المحتجون بجدار أمني حال دون وصولهم إلى مدينة فاس، حيث كانوا يعتزمون إيصال صوتهم إلى المسؤولين للمطالبة بالماء والتعليم والصحة وفك العزلة.
عطش متجدد ومطالب منسية
المحتجون رفعوا شعارات بسيطة وعميقة في آن واحد: الحق في الماء، تعبيد الطرق، إنارة الشوارع، وإنشاء مؤسسة تعليمية.
مطالب تعكس غياب أبسط مقومات العيش الكريم، في قرية لا تزال تعيش على وقع العزلة، بينما تبعد عن فاس – العاصمة العلمية – بأزيد من 60 كيلومترا فقط. الأزمة الأشد قسوة هي ندرة المياه، التي دفعت السكان إلى تحويل مسيرتهم إلى “صرخة عطش” تنبه إلى خطورة الوضع الإنساني.
صحة غائبة وتعليم يقتل الأحلام
الأوضاع الصحية في بوعروس تكشف عن مأساة متكررة: مركز صحي بلا طبيب دائم، حالات مستعجلة تُترك تحت رحمة المسافات الطويلة، ونساء حوامل يجدن أنفسهن في رحلة محفوفة بالمخاطر نحو المستشفى الإقليمي بتاونات، الذي غالبًا ما يحيلهن بدوره على فاس.
أما التعليم، فقد تحول إلى حاجز آخر أمام أبناء وبنات القرية، حيث يطالب السكان بثانوية تأهيلية تنهي معاناة الفتيات اللواتي يقطعن مسافات طويلة نحو قرى مجاورة، وهو ما يؤدي إلى انقطاع الكثير منهن عن الدراسة في سن مبكرة.
مشهد احتجاجي بليغ
المشهد عند منع المسيرة كان كاشفًا: رجال ونساء استلقوا على الأرض في مواجهة القوات العمومية، فيما ارتفعت أصواتهم عبر البث المباشر على شبكات التواصل الاجتماعي.
كلماتهم لم تحمل أكثر من مطلب: “نريد التنمية، نريد أن نفك العزلة”. لكن السلطات فضلت قطع الطريق على مسيرة سلمية بدل فتح حوار مع ساكنة مهمشة تبحث عن الكرامة.
ما وقع في بوعروس ليس حدثًا معزولًا، بل صورة مصغرة لما تعيشه قرى عديدة في المغرب العميق. وبدل أن تُفتح قنوات تواصل مع المحتجين للاستماع إلى مشاكلهم، يُختزل المشهد في مقاربة أمنية لا تقدم حلولًا عملية.
هنا يطرح السؤال المؤلم: أي رسالة يوجهها منع مسيرة عطش إلى ساكنة لا تطلب سوى ماء للشرب، طريقًا معبدة، ومدرسة تحفظ لأبنائها الحق في مستقبل أفضل؟
وفي الأخير، يمكن القول أن مسيرة بوعروس قد تكون قد أُوقفت عند جدار أمني، لكنها كسرت جدار الصمت، وأعادت إلى الواجهة واقع قرى تعيش على الهامش.
فإذا كانت التنمية حقًا دستوريًا، فالأجدر أن تصل مياهها وطرقها ومدارسها إلى أبعد نقطة في جبال الريف، قبل أن يصل صدى احتجاجاتها إلى قلب العاصمة العلمية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد