خريبكة.. مدينة تُدار بمنطق “الترقيع التنموي” والسياسة فيها تتحول إلى غنيمة

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في خريبكة، لم تعد الإنارة العمومية مجرّد خدمة أساسية، بل تحوّلت إلى إنجاز تاريخي يُروَّج له في البيانات الرسمية وكأنه مشروع القرن. ترقيع حفرة في شارع يُحتفى به كخبرٍ يستحق التمجيد، وتدشين مشروع باهت يُقدَّم كـ”فتح تنموي مبين”.
هذا المشهد لا يعكس فقط غياب المشاريع الكبرى، بل يكشف عقلية عبثية تُدير المدينة بمنطق الغنيمة لا بمنطق التنمية، حيث توزَّع المنافع بين لوبيات متواطئة تتناوب على امتصاص خيرات المدينة كما تتناوب الأيدي على ضرع بقرةٍ هزيلة.
ما يجري بخريبكة ليس استثناءً، بل هو نموذج مصغر لما يحدث في مدن أخرى، حيث تتحوّل السياسة إلى صفقة تجارية بغطاء انتخابي. تُدار المجالس بمبدأ “من يملك المال يصنع القرار”، ومن لا يملك سوى الكفاءة والنزاهة، يُقصى بصمت.
في هذه المنظومة، يُكافأ الانتهازي ويُحاصر النزيه، ويصبح الطريق إلى المنصب مفروشًا بالعلاقات، لا بالاستحقاق. فبدل أن تكون الانتخابات وسيلة للاختيار، أصبحت وسيلة للعبور نحو عالم الامتيازات والحصانات.
يقال إن المغرب بلد العجائب. في الصباح قد تكون مبحوثًا عنك، في القيلولة متهمًا، وفي المساء نائبًا برلمانيًا محصنًا بالحصانة وبالكبرياء المصطنع.
ليست هذه نكتة، بل حقيقة يومية تعكس كيف تتبدل الأدوار في غياب معايير الكفاءة والمحاسبة. فالمسألة لا تتعلق بالقدرات ولا بالخبرة، بل بالقدرة على “اللعب”، على معرفة من أين تُؤكل الكتف، وكيف تنحني في الوقت المناسب، ثم تقفز إلى الأعلى في اللحظة الحاسمة لتجلس على عرشٍ لم تحلم به يومًا.
قصة “صاحبنا” ليست خرافة، بل نموذج متكرر. رجل كان بالأمس متهماً وممنوعًا من السفر، يتجنب الناس كما يتجنب اللص الضوء، ثم فجأة تُفتح له الأبواب.
بفضل شبكة علاقات ودهاء استثنائي، يجد لنفسه مكانًا في القطاع الخاص، لا بفضل كفاءته، بل لأن شخصًا ما قرر “منحه فرصة ثانية”، ربما طيبةً، وربما مصلحية.
لكن مثل هذه “الفرص” لا تُهدر، فهي في كثير من الأحيان جسر عبور إلى السياسة. لم يكن يومًا مناضلاً، ولا كتب حرفًا عن الشأن العام، لكنه عرف من أين يدخل. حصل على تزكية كمرشح احتياطي، فدخل اللعبة من بابها الخلفي، كـ”صفقة سياسية” لا كمشروع إصلاحي.
خريبكة اليوم ليست مدينة تفتقر إلى الإمكانيات، بل إلى النية الصادقة في البناء. المال الحرام يقتل السياسة، والتسيير العبثي يفرغ المؤسسات من معناها، فيما تظل التنمية الحقيقية رهينة برؤية غائبة وإرادة مغيبة.
لقد آن الأوان لأن يدرك الفاعلون المحليون أن المدينة ليست مزرعة خاصة، وأن التاريخ لا يرحم من حوّل الشأن العام إلى غنيمة شخصية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد