هبة زووم – إلياس الراشدي
يبدو أن ما يجري في برشيد اليوم لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات العميقة التي تعرفها الإدارة الترابية بالمغرب، فالعامل خلوق، منذ توليه المسؤولية، أطلق ما يشبه رصاصة الرحمة على منظومة من العائلات التي ظلت لعقود تتحكم في دواليب الجماعات المحلية، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها: “لا أحد فوق المحاسبة”.
قد تكون هذه التحركات إشارة إلى أن الدولة بدأت تُخرج ملفاتها القديمة من الأدراج لتصحيح المسار، وقد تكون أيضًا مقدمة لإعادة ترتيب المشهد قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
في الحالتين، الرسالة واضحة: موسم القطاف لم ينته بعد، ومن لم يسمع بعد طرقات الباب، فليُبقِ حقيبته جاهزة، لأن الجولة القادمة قد تكون من نصيبه.
لقد أثبتت السنوات الماضية في عهد العامل السابق أوعبو أن الفساد في برشيد لم يكن مجرد تجاوزات فردية أو أخطاء معزولة، بل أصبح ظاهرة بنيوية ذات امتدادات سياسية واقتصادية.
فالصفقات العمومية ظلت موضع شبهة، والشفافية في تدبير المال العام كانت غائبة، والملفات الكبرى في قطاعات الصحة والتعليم كثيرًا ما طُويت دون حسم قضائي أو مساءلة حقيقية.
وهنا يبرز السؤال المؤلم: كم من مسؤول تم إعفاؤه بصمت دون تحقيق؟ وكم من ملف فساد نام في الرفوف حتى نسيه الجميع أو ابتلعه التقادم؟
الحقيقة أن المحاسبة ليست مجرد إجراء إداري أو عقوبة تأديبية، بل هي جوهر الفعل السياسي وأساس الشرعية الديمقراطية. فحين تغيب المساءلة، يتحول الفساد إلى “نظام حياة إداري”، وتضيع الحدود بين الكفاءة والتقصير، ويصبح الإهمال سلوكًا عاديًا لا يُستغرب.
الأخطر من كل ذلك، أن غياب المحاسبة يُفقد السياسة معناها، لأن المواطن حين لا يرى فرقًا بين من يخلص في عمله ومن يهمل، يفقد الحافز على المشاركة، وتنهار الثقة في المؤسسات، وتدخل البلاد في دوامة اللاجدوى واللامبالاة.
برشيد اليوم تقف على مفترق طرق: إما أن تكون نموذجًا في استعادة هيبة الدولة وتفعيل الرقابة والمساءلة، وإما أن تظل مرآةً لمشهد مألوف من الإفلات من العقاب وتوارث الفساد.
الكرة الآن في ملعب السلطة الإقليمية، والمجتمع ينتظر أن يرى الفعل يترجم الأقوال، لأن الناس في النهاية لا يريدون شعارات جديدة، بل عدالة تمشي على الأرض.
تعليقات الزوار