الرشيدية.. شركات المناولة تحول عمال المدينة إلى عبيد وسلطات المراقبة تختار الصمت

هبة زووم – محمد خطاري
في قلب الرشيدية، تتحول شركات المناولة إلى ما يشبه “حوانيت بشرية” تبيع العمال بالجملة، وتقبض الأموال من الميزانية العمومية، فيما يحصل العامل على أجور زهيدة بالكاد تكفيه لتغطية أبسط احتياجاته اليومية.
الدولة تؤدي، والشركة تقتطع، والعامل يعيش تحت ضغط مستمر، مطالبًا بالابتسامة والولاء، وأحيانًا بالإنشاد الصباحي للنشيد الوطني، كرمز شكلي لمكانته “الهامشية”.
المفارقة الصادمة تكمن في نمط حياة المديرين، الذين يقودون سيارات فارهة ويحضرون لقاءات “ريادة الأعمال” ويُحاضرون عن “تأهيل الموارد البشرية”، بينما العمال أنفسهم بلا بطاقة CNSS، وبدون أجور مستقرة، يتقاضون ما يشبه الصدقة الشهرية.
عند السؤال عن الحقوق، يبتسم العامل الصامت، مُستسلماً للواقع القاسي، متذكراً حكمة شعبية تقول: “المهم خبزة ولّي طاحت من السما”.
النقابات، بدورها، تبدو عاجزة أو متواطئة. بعض الهيئات تكتفي بالبيانات الرمزية، وأخرى تلتزم الصمت، لأن هؤلاء العمال “مواطنون أشباح” بلا وزن انتخابي أو نفوذ سياسي.
المسؤولون الكبار، وبكل وقاحة، يبررون الاستغلال بعبارات عن المرونة و”التدبير الحديث”، وكأنهم يعيشون في السويد، بينما الواقع يشير إلى غياب التأمين الصحي والحقوق الأساسية.
الأدهى من ذلك، أن بعض العمال يقضون عشر سنوات في نفس الوظيفة، يعرفون كل تفاصيل العمل، لكن لا أحد يفكر في إدماجهم بشكل رسمي. حين يتوفى أحدهم بسبب الإجهاد أو حادث شغل، تتحول القضية إلى لعبة “من المسؤول؟”، ليُطوى الملف بعد ذلك في صمت، كما تُطوى قصاصات الحائط بعد المهرجانات.
هذه الظاهرة ليست مجرد مشاكل إدارية، بل هي شكل من أشكال الاستغلال القانوني بمباركة وطنية، أو ما يمكن تسميته بـ”عبودية مقنّعة”. صمت الدولة، وقوة الشركات، وخوف العمال، وجبن المجتمع، جعلت هذا النظام يواصل عمله دون أي رادع.
يبقى السؤال المحوري: متى سينقرض هذا الديناصور المسمى “المناولة”؟ أو على الأقل، متى سنتجرأ على إطلاق تسميته الحقيقية: استغلال قانوني بمباركة رسمية؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد