اليحياوي يفجّر الحقيقة: فاجعة فاس ليست حادثاً إنها مرآة فساد عمراني شامل

هبة زووم – الرباط
لم تمر فاجعة سقوط العمارة بمدينة فاس مرور الكرام لدى الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي، الذي اختار أن يواجه الحدث بأقسى أدواته: النقد العاري من المجاملات.
في تدوينة قوية، اعتبر اليحياوي أن ما وقع في فاس “ليس حادثاً عرضياً”، بل مجرد وجه من وجوه مأساة عمرانية تتكرر في كل المدن المغربية، وتعبّر عن منظومة فساد ممتدة تقودنا، كما قال، إلى “انتحار جماعي” بصيغة التواطؤ البنيوي.
في تشريح مباشر لبنية الفساد داخل قطاع البناء، يكتب اليحياوي بلغة لا تخطئ الهدف: الرخص تُمنح بلا سند قانوني، وشركات البناء كثير منها لا يستحق حتى وصف “شركة”.
أما المواطن، الذي يُفترض أن يكون ضحية، فيتحول – وفق تعبيره – إلى شريك صامت أو “متستر على التجاوزات” حين يقبل ببناء فوق أرض هشة، أو عمارة فوق بنية غير مهيأة، أو مشروع لا يحترم أي معيار من معايير السلامة.
إنها حلقة مغلقة: مُنح رخصة عن غير حق، وبانٍ يشتغل خارج القانون، ومشترٍ يُغمض عينيه، لينتهي المسار في عمارات لا تحتاج زلزالاً لتسقط، يكفي “خطأ واحد” حتى تتحول إلى ركام.
بنبرة أشبه بصرخة، يقول اليحياوي إن الإقامات السكنية في المغرب تحولت إلى مسرح لانهيارات معلنة مسبقاً، بل إلى “قنابل عمرانية” تتحين لحظة الانفجار.
ويذهب أبعد من ذلك حين يشير إلى أن بعض الأحياء “المصنفة نموذجية أمام الكاميرات”، ما هي في الأصل إلا بنايات “من ماء وطين مقوى”؛ أي مجرد واجهات تجميلية تخفي ما لا يمكن إخفاؤه: هشاشة بنيوية تُعرّي غياب الرقابة، وتواطؤ سلطة الترخيص، وانهيار الأخلاق المهنية لدى فئة واسعة من المشرفين على البناء.
أقوى مقاطع تدوينة اليحياوي كانت تلك التي انتقد فيها ما وصفه “النفاق الجماعي” في التعاطي مع الفساد، إذ يرى أن المغاربة – أفراداً ومؤسسات – يدّعون محاربته بينما يمارسونه أو يتعايشون معه، أو يشترون صمت السلطة حين يناسبهم الأمر، إنها شهادة قاسية، لكنها، كما يصفها عدد من المتابعين، وجه آخر للحقيقة التي نرفض الاعتراف بها.
منظومة الفساد العمراني التي أفرزت فاجعة فاس ليست – برأي اليحياوي – مجرد خلل إداري، بل هي أسلوب حياة طبع علاقة المواطن بالإدارة، والمستثمر بالقانون، والمسؤول بالدولة، وكل من يصمت أو يتساهل أو يبرر يتحول، بشكل أو بآخر، إلى جزء من المشكلة.
أسئلة كثيرة تفرض نفسها بعد قراءة تدوينة اليحياوي: هل نملك الجرأة لتفعيل المساءلة في ملفات عمرانية ظلت لسنوات “مناطق محرمة”؟ هل ستتحمل السلطات المسؤولية في مواجهة واقع البناء الفوضوي؟ وهل يستعد الرأي العام لقطع شعرة التطبيع مع الفساد الذي جعل مدننا هشة تحت أي هزة… صغيرة كانت أو كبيرة؟
الأسوأ – كما يحذر اليحياوي – ليس فاجعة فاس نفسها، بل أن تتكرر الفاجعة دون أن يتغير أي شيء.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد