هبة زووم – الرباط
مع اقتراب نهاية السنة، عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى ما بات يُعرف عنه في الفضاء العمومي: تشريح الواقع المغربي بلغة صادمة، دقيقة، ومزعجة، لا تهادن الخطاب الرسمي ولا تنخرط في التطمين المجاني.
هذه المرة، اختار بوابة الاقتصاد، ليضع الأصبع على جرح بنيوي ظلّ لسنوات يُغطّى بالأرقام الانتقائية وشعارات “الإقلاع” و”النموذج التنموي”.
في تدوينة قوية وحادة، قدّم اليحياوي خلاصة قاتمة لحصيلة الاقتصاد الوطني، مستندًا إلى أرقام لا تحتمل التأويل، في مقدمتها عجز تجاري يشارف 330 مليار درهم مع متم سنة 2025، وهو رقم لا يعكس فقط اختلال الميزان التجاري، بل يفضح طبيعة البنية الإنتاجية نفسها.
هذا، ويختزل اليحياوي المفارقة الكبرى في سؤال بسيط ومحرج: ماذا ننتج؟ وماذا نستورد؟ الجواب، كما يقدمه، صادم في بساطته: نُصدّر الفوسفاط وبعض مكونات صناعة الطيران، ونستورد تقريبًا كل شيء آخر: المواد الخام، المواد الجاهزة للتجهيز ثم للاستهلاك، أنصاف المنتجات، والمنتجات الغذائية.
بمعنى آخر، يشتغل الاقتصاد المغربي، وفق هذا التشخيص، داخل سلسلة إنتاج مقلوبة: نصدر مواد أولية محدودة القيمة المضافة، ونستورد منتجات مصنّعة تستهلك العملة الصعبة، وتعمّق التبعية، وتضعف السيادة الاقتصادية.
لا يتردد اليحياوي في وصف الوضع بلغة واضحة: “كل مؤشرات الدولة المتخلفة متوافرة”، ليس من باب الاستفزاز، بل من باب التحليل الصارم لبنية إنتاج بدائية، ضعيفة القيمة المضافة، عاجزة عن خلق تراكم صناعي حقيقي، أو عن تحويل الثروة الطبيعية إلى قوة اقتصادية مستقلة.
فالدولة التي تستورد غذاءها، وعلف ماشيتها، ومواد تصنيعها، وحتى جزءًا من تجهيزاتها الأساسية، لا يمكنها الادعاء بأنها تتحكم في مسارها الاقتصادي، مهما حسنت بعض المؤشرات الظرفية.
اللحظة الأكثر دلالة في تدوينة اليحياوي، وربما الأكثر إيلامًا، تتجسد في الإشارة إلى نية المغرب استيراد العلف من البرازيل، بعد أن لم تكفه موارده المحلية من اللحوم.
هنا، لا يعود النقاش اقتصاديًا صرفًا، بل يتحول إلى سؤال سيادي: كيف لبلد فلاحي، ظلّ لعقود يراهن على مخططاته الزراعية، أن يصل إلى مرحلة استيراد علف الماشية من أقصى العالم؟
بالنسبة لليحياوي، هذه ليست أزمة ظرفية، بل علامة على حركة بلا اتجاه، وجهد بلا أثر، وتنمية شكلية لا تغيّر موقعنا داخل التقسيم الدولي للعمل.
الخلاصة التي يختتم بها اليحياوي تدوينته تختصر المأزق بأكمله: “نحن نتحرك كي لا نبارح مكاننا”.
جملة تلخص سنوات من السياسات العمومية التي كثّفت البرامج، وضخّمت الخطاب، لكنها لم تُنتج اقتصادًا قادرًا على تقليص التبعية، ولا على خلق قيمة مضافة مستدامة، ولا على حماية الميزان التجاري من نزيف مزمن.
إنها دعوة صريحة لإعادة التفكير في جوهر الاختيارات الاقتصادية، لا في أدوات التجميل الإحصائي، ولا في تبرير الأعطاب بالظرفية الدولية أو التغيرات المناخية وحدها.
تعليقات الزوار