هبة زووم – الرباط
عاد ملف القمح، أحد أعمدة الأمن الغذائي للمغاربة، ليفرض نفسه بقوة داخل البرلمان، بعدما فجّرت معطيات رسمية اختلالات عميقة وهيمنة مقلقة على واحدة من أكثر السلاسل الاستراتيجية حساسية.
ففي خطوة تعكس تصاعد القلق البرلماني إزاء ما يجري في كواليس هذا القطاع، دعا عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، إلى عقد اجتماع عاجل للجنة القطاعات الإنتاجية بمجلس النواب، لوضع ما أسماه بـ”الاختلالات البنيوية الخطيرة” التي تطبع إنتاج واستيراد وتخزين وطحن القمح بالمغرب تحت مجهر المساءلة.
بوانو، وفي مراسلة رسمية، طالب باستدعاء وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، إلى جانب مدير المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني، في محاولة لكشف حقيقة ما يجري داخل هذا القطاع الحيوي، ومساءلة الحكومة عن نجاعة تدبيره، ومآل الدعم العمومي الضخم الذي يُضخ سنويًا بدعوى حماية القدرة الشرائية وضمان استقرار أسعار مادة تمس القوت اليومي للمغاربة.
وتستند هذه الخطوة البرلمانية إلى تقرير رسمي لمجلس المنافسة، كشف عن معطيات صادمة، أبرزها تركّز السوق في يد مجموعات محدودة، وهيمنة فاعلين بعينهم على مفاصل الاستيراد والتخزين والطحن، في مشهد يُفرغ مبدأ المنافسة الحرة من محتواه، ويفتح الباب واسعًا أمام ممارسات احتكارية تُقوّض شفافية السوق وتحوّل الدعم العمومي إلى ريع مقنّع.
الأخطر، بحسب ما يشير إليه بوانو، هو الاختلال الصارخ بين الطاقة الإنتاجية المتوفرة وحاجيات الطلب الوطني، ما يطرح علامات استفهام ثقيلة حول فعالية منظومة يُفترض أنها تخدم الأمن الغذائي، لكنها عمليًا تُكرّس منطق الامتيازات، دون أثر ملموس على الأسعار أو على معيش المواطنين، رغم المليارات التي ترصدها الدولة سنويًا لهذا القطاع.
وفي سياق يتسم بارتفاع غير مسبوق في كلفة المعيشة وتآكل القدرة الشرائية للأسر المغربية، شدد رئيس المجموعة النيابية على أن القمح ليس مجرد سلعة تخضع لقانون العرض والطلب، بل رهان سيادي واستراتيجي مرتبط بالاستقرار الاجتماعي، وهو ما يجعل استمرار هذا الوضع بمثابة مخاطرة حقيقية، تُدار بمنطق السوق المختلة، بدل منطق المصلحة العامة.
كما دعت المراسلة إلى مراجعة شاملة لمنظومة التخزين والتوزيع، بما يضمن وصول الدعم الحكومي إلى مستحقيه الفعليين، وانعكاسه المباشر على السوق الوطنية، عوض أن يتحول إلى أرباح صافية لفئة ضيقة من “فراقشية القمح” الذين راكموا النفوذ والثروة في صمت، وعلى حساب قوت المغاربة.
اليوم، ومع عودة الملف إلى الواجهة البرلمانية، يطرح سؤال حارق نفسه بقوة: هل تشكّل هذه الخطوة بداية تفكيك حقيقي لبنية الاحتكار داخل سلسلة القمح، أم أن التقارير الرسمية ستظل، مرة أخرى، حبرًا على ورق في قطاع يلامس يوميًا خبز المغاربة واستقرارهم الاجتماعي؟
تعليقات الزوار