هبة زووم – الرباط
في مشهد سياسي يزداد التباسًا كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، اختار نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، أن يظهر في ثوب المعارض الغاضب، لا الوزير الشريك في القرار، مطلقًا تصريحات نارية بمناسبة تخليد الذكرى 82 لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، في تناقض صارخ مع موقع حزبه داخل الأغلبية الحكومية.
بركة، الذي يفترض أنه جزء من الحكومة ومسؤول بشكل مباشر عن اختياراتها، بدا وكأنه يخاطب الشارع من منصة المعارضة، مستثمرًا رمزية المناسبة لتوجيه رسائل سياسية مشفّرة، في لحظة انتخابية بامتياز، حيث عبّأ الحزب كل أجهزته التنظيمية، وحشد قواه، وأطلق خطابًا يوحي بقطيعة وشيكة مع واقع حكومي هو في الأصل أحد مهندسيه.
تصريحات زعيم الاستقلال لم تكن عادية؛ فقد انتقد الريع، والمضاربة، وثقافة “الفراقشية”، وتحدث عن غضب الشباب المغربي من نموذج اقتصادي يجعل المال بوصلة المجتمع، ويقدّم الجشع والربح السريع على حساب حقوق المواطنين والأجيال المقبلة، محذرًا من تهديد هذا التوجه لمقومات السيادة والصمود في مواجهة الأزمات.
غير أن المفارقة الصادمة لا تكمن في مضمون الخطاب فقط، بل في موقع صاحبه. فالسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح: إذا كان هذا التشخيص دقيقًا، فمن المسؤول عنه؟ ومن كان جزءًا من الحكومة التي أنتجته ودافعت عنه داخل البرلمان وخارجه؟
الأكثر إثارة للجدل أن نزار بركة لم يكتفِ بالتصريحات، بل أطلق بالمناسبة نفسها “ميثاق الشباب”، متحدثًا عن القطع مع الفساد، والدعوة إلى ديمقراطية أكثر إدماجًا وتشاركية، ومحاربة تضارب المصالح، وتعزيز ثقة الشباب في المؤسسات.
وهي شعارات تكاد تتطابق، حرفيًا، مع مطالب الشارع والاحتجاجات التي طالبت سابقًا برحيل رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وليس بإعادة تدوير نفس الأغلبية بواجهة خطابية جديدة.
وهنا تحديدًا، تتجلى الخطورة السياسية والأخلاقية في هذا التموقع الرمادي؛ تموقع لم يعد يُفهم إلا بوصفه تجسيدًا صارخًا للمثل الشعبي: “يأكل مع الذئب ويبكي مع الراعي”.
خطاب معارض يُستعمل لاستقطاب الغضب الشعبي، وموقع حكومي يُستثمر للحفاظ على النفوذ والمصالح، دون تحمّل كلفة الحسم أو شجاعة الموقف.
فلا نزار بركة اختار مغادرة الحكومة والتموقع في المعارضة انسجامًا مع خطابه، ولا هو تحمّل مسؤوليته السياسية كاملة داخل الأغلبية ودافع بوضوح عن اختياراتها، والنتيجة: خطاب مزدوج يُربك الرأي العام، ويُعمّق أزمة الثقة في العمل السياسي، ويحوّل الشعارات إلى أدوات انتخابية لا أكثر.
وتزداد الشكوك حين يُربط هذا الخطاب بتفجر ملفات ثقيلة، من تضارب المصالح في صفقات الأدوية، إلى اختلالات الدعم المباشر لاستيراد الأغنام، وهي ملفات لم تعد حكرًا على المعارضة، بل فجّرتها تصريحات نواب أغلبيين سابقين، وقيادات سياسية وازنة داخل البرلمان، وعلى رأسهم عبد الله بوانو، الذي قاد حملة مساءلة غير مسبوقة ضد الحكومة.
فهل ما نعيشه اليوم بداية تفكك صامت للأغلبية الحكومية؟ أم مجرد توزيع أدوار انتخابي مبكر، يُتقن فيه البعض لعب دور المعارض نهارًا، وشريك القرار ليلًا؟
في كل الحالات، ما هو مؤكد أن المغاربة لم يعودوا يقبلون بهذا النوع من “التموقع المزدوج”، لأن السياسة، في النهاية، ليست مسرحًا للأقنعة، بل مسؤولية ومحاسبة. ومن أراد مخاطبة الشارع بلغة الغضب، عليه أولًا أن يتحمّل تبعات القرار، لا أن يأكل مع الذئب ويبكي مع الراعي في آن واحد.
تعليقات الزوار