قرار إلغاء امتحانات مؤسسات الريادة يغضب الأساتذة ويعرّي غياب الحكامة ويغرق الوزارة في الارتجال

هبة زووم – الرباط
مرة أخرى، تجد وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي نفسها في قلب عاصفة تربوية جديدة، عنوانها العريض: الارتجال، وضعف الحكامة، وانعدام الرؤية.
فقرار إلغاء وإعادة امتحانات مؤسسات الريادة بالتعليم الابتدائي، عقب تسريب مواضيع بعض المواد، لم يطفئ نار الأزمة، بل صبّ الزيت على غضب متراكم داخل صفوف الأساتذة، وكشف أعطاباً بنيوية في تدبير ما يُسوَّق له كنموذج إصلاحي رائد.
اللافت في هذه الواقعة ليس فقط تسريب الامتحانات، بل الطريقة التي دُبّرت بها الأزمة، بلاغات منتصف الليل، التي لم تصل إلى المعنيين عبر قنوات رسمية، وإنما عبر مجموعات “الواتساب”، شكّلت صدمة حقيقية للأساتذة، وعمّقت الإحساس بالاستخفاف.
فكيف لوزارة يفترض أنها تقود إصلاحاً استراتيجياً أن تعتمد الإشاعة بدل التواصل المؤسساتي؟ وأي مصداقية يمكن أن تبقى لقرارات تُنقل كالأخبار المتداولة لا كإجراءات رسمية مؤطرة؟
صبيحة الأربعاء، دخل الأساتذة إلى مؤسساتهم ليكتشفوا بلاغاً رسمياً يقر بإلغاء وإعادة الامتحان الموحد المحلي بمؤسسات الريادة، قرار نزل بارداً، جافاً، بلا اعتذار ولا اعتراف بالمجهودات التي بُذلت.
يومان من العمل المكثف، تصحيح امتد إلى ساعات متأخرة من الليل، ضغط نفسي ومهني، كلها رُميت في سلة المهملات بقرار إداري سريع، دون أي تعويض مادي أو حتى تقدير معنوي.
الغضب بلغ ذروته حين قارن الأساتذة وضعيتهم بوضع فئات أخرى داخل منظومة “الريادة”، فمديرو هذه المؤسسات سيتقاضون تعويضات شهرية تصل إلى 3000 درهم بدعوى أعباء التدبير، والمفتشون بدورهم يستفيدون من تعويض مماثل، في حين يتحمل الأستاذ العبء الأكبر: التدريس، الإعداد، التصحيح، والتعامل اليومي مع ارتباك النموذج، دون مقابل إضافي.
المفارقة أن المفتشين أنفسهم، بحسب شهادات متطابقة، غالباً ما يعجزون عن تقديم توضيحات حول فلسفة مدارس الريادة، ليكون الجواب الجاهز: “قضيو من عندكم، حتى حنا ما فاهمين والو”.
الأخطر في هذا القرار، هو كلفته المالية، امتحان أُنجز ثم أُلغي وسيُعاد، ما يعني مضاعفة المصاريف في زمن الحديث عن ترشيد النفقات. والأكثر إثارة للاستغراب أن الوزارة أبدت هذه “الصرامة” مع امتحان ابتدائي لا يحدد مصير التلميذ الدراسي، بينما غضّت الطرف في مرات سابقة عن تسريبات امتحانات الباكالوريا، دون إعادة أو محاسبة حقيقية.
وهنا يُطرح السؤال المحوري: لماذا هذه المرة؟ ولماذا هذا التشدد الانتقائي؟ الجواب الذي يتداوله فاعلون تربويون واضح: الأمر مرتبط بالميزانيات المرصودة لمؤسسات الريادة، وبالحاجة إلى تبرير صرفها، ولو على حساب الاستقرار التربوي وكرامة الأستاذ.
ما جرى ليس حادثاً عرضياً، بل مؤشر خطير على غياب الحكامة، وفشل التخطيط، وارتجالية القرار، وهو ما يستدعي فتح تحقيق جدي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعادة تقييم نموذج “الريادة” قبل أن يتحول إلى عنوان مكلف لإنتاج الفوضى بدل الإصلاح.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد