هبة زووم – بني ملال
في أزقة بني ملال وأسواقها الشعبية، لم يعد الحديث يدور حول “تقلبات السوق” أو “مواسم القلة”، بل تحول إلى صرخة يومية ضد غولٍ يلتهم القدرة الشرائية دون رحمة.
ارتفاع الأسعار في المدينة اتخذ منحى عشوائياً خطيراً، لم يعد ممكناً فصله عن السياق العام الذي تعيشه البلاد، لكنه في نفس الوقت يكشف عن خلل وظيفي عميق داخل أجهزة السلطة الترابية المحلية.
في عهد الوالي محمد بنريباك، تبدو الولاية وكأنها كيان منعزل عن نبض الشارع، يتحرك وفق أجندات إدارية جامدة لا تمس هموم المواطن المباشرة.
هناك فجوة شاسعة بين خطاب “القرب” الذي ترفعه الدولة، وبين واقع معاش حيث تُعامل الولاية المواطنين وكأنهم زبائن في سوق حرة بلا ضوابط، وليس كمواطنين لهم حقوق مقدسة على مؤسساتهم.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين هي آليات المراقبة الزجرية؟ وأين هي اللجن المختلطة التي يُعلن عن تشكيلها في كل مناسبة؟ فاستمرار هذا النهج الارتجالي في التعامل مع ملف القدرة الشرائية ليس مجرد تقصير إداري، بل هو رسالة خاطئة تُفهم على أنها تواطؤ ضمني مع جشع المضاربين.
والتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن غياب “يد الدولة” الضامنة للعدالة يترك المجال واسعاً لاستباحة جيوب الفقراء والمتوسطة دخلهم.
والخطورة الحقيقية لا تكمن في ارتفاع سعر كيلو الخضر أو اللحم بقدر ما تكمن في تآكل الثقة بين المواطن وممثلي الدولة، فعندما يجد المواطن نفسه محاصراً بالفقر والتهميش، بينما تبدو الأجهزة الترابية غارقة في صمت مطبق أو مشغولة بمراسم بروتوكولية، فإن ذلك يخلق بيئة خصبة للسخط الاجتماعي، وساكنة بني ملال لا تقبل بأن تكون ضحية إلى ما لا نهاية، والصبر له حدود لا يمكن تجاوزها دون حساب للعواقب.
اليوم، لم يعد السؤال عن “سبب الغلاء” أو “الجهات التي تقف وراءه”، فهذا أصبح واضحاً كالشمس للآلاف في بني ملال، السؤال الجوهري هو: إلى متى سيستمر هذا الصمت سيداً للموقف؟ وإلى متى سيُترك مصير آلاف الأسر في أيدي قرارات لا ترى في المواطن سوى أرقام إحصائية؟
إن التاريخ لم يكن يوماً رحيماً مع المسؤولين الذين استخفوا بمصير مواطنيهم، وإذا لم تتدارك الولاية الوضع سريعاً عبر إجراءات استثنائية حقيقية وليست تجميلية، فقد تجد نفسها أمام واقع لم تكن في الحسبان، حيث لن تنفع حينها لغة الخطابات الرنانة ولا محاولات الترقيع الأخيرة.
فساعة الحقيقة دقت في بني ملال، والكرة الآن في ملعب الوالي بنرباك، فهل من مستمع؟
تعليقات الزوار