هبة زووم – أيت ملول
في حي بوعيطة بمدينة أيت ملول، وتحديداً بشارع كلميم المقابل لمدرسة أكدال الابتدائية، لا تستقبل الصباحات بعبير الياسمين أو نسمات الأمل، بل بروائح النتانة ومنظر الأكياس البلاستيكية المتناثرة التي تحولت إلى “نصب تذكاري” للإهمال، مشهد مؤلم يكرس يومياً أمام عيون التلاميذ وأوليائهم، في انتهاك صارخ لأبسط حقوق المواطنة: الحق في بيئة سليمة.
ما يعيشه سكان الشارع ليس مجرد “منظر غير لائق”، بل هو أزمة صحية وبيئية حقيقية، فتراكم النفايات المنزلية بشكل عشوائي، في ظل غياب تام لحاويات مخصصة للجمع، يحول الفضاء المحيط بمؤسسة تعليمية إلى بؤرة لتكاثر الحشرات والقوارض، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف نطلب من أطفالنا التركيز في أقسامهم وروائح العفن تخترق النوافذ؟ وكيف نربي فيهم حب الوطن وقيم النظافة، بينما نتركهم يشاهدون يومياً دروساً عملية في “ثقافة اللامبالاة” ورمي الأزبال في الشارع؟ ليتحول تعريض صحة التلاميذ لمخاطر التلوث ليس تقصيراً إدارياً فحسب، بل هو إخلاء بمسؤولية حماية الطفولة التي يفترض أن تكون أولوية قصوى.
من الناحية القانونية، الأمر واضح لا لبس فيه. تُعد الجماعة الترابية الجهة المسؤولة قانوناً عن تدبير مرفق النظافة وجمع النفايات المنزلية، سواء بشكل مباشر أو عبر شركات مفوض لها، وذلك وفق القوانين التنظيمية للجماعات. كما أن التشريعات البيئية الجاري بها العمل تنص صراحة على عقوبات زجرية في حق من يرمون النفايات في غير الأماكن المخصصة.
لكن السؤال الجوهري يبقى: لماذا تبقى هذه النصوص حبراً على ورق في شارع كلميم؟ ولماذا يتحمل المواطن وحده عبء فشل منظومة التدبير؟ إن غياب الحاويات الكافية، وضعف وتيرة الجمع، وعدم تفعيل المراقبة الزجرية، ليست “ظروفاً قاهرة”، بل هي خيارات تدبيرية تعكس أولويات من يمسك بزمام القرار المحلي.
لم يعد مقبولاً اليوم أن نترك أطفال أكدال الابتدائية يدفعون ثمن فشل تدبير مرفق أساسي. النظافة ليست “خدمة ثانوية”، بل هي مؤشر على تحضر المجتمع وفعالية مؤسساته، فإذا عجزنا عن ضمان بيئة سليمة لأطفالنا قرب مدارسهم، فكيف نحلم ببناء جيل واعٍ ومسؤول؟
ساكنة شارع كلميم تنتظر تدخلاً عاجلاً، ليس كـ”منّة” من المسؤول، بل كواجب قانوني وأخلاقي، فإما أن تتحرك المصالح المختصة الآن لوضع حد لهذه المأساة البيئية، وإما أن تستمر في تحمل المسؤولية التاريخية عن كل مرض يصيب طفلاً، وعن كل قيمة تتآكل في نفش جيل بوعيطة، والكرة اليوم في ملعب الجماعة الترابية والوقت ليس لصالح أحد.
تعليقات الزوار