بين حياد المرفق وهوية المجتمع: جدل عبارة “نقل الأموات” يختبر مفهوم الدمقرطة عند عصيد

هبة زووم – هيئة التحرير
في المغرب، حيث يتداخل المقدس مع اليومي، والهوية الإسلامية مع مظاهر الحياة العامة، يكفي قرار إداري “تقني” ليُشعل فتيل جدل فكري وسياسي عميق.
هكذا كان حال القرار الوزاري المشترك رقم 1250، الذي يقضي بتوحيد كتابات سيارات نقل الأموات على عبارة “نقل الأموات” فقط، مع شريطين أخضرين، ليخرج الباحث الحقوقي أحمد عصيد مرحباً بالقرار كـ”خطوة مهمة في طريق الدمقرطة”، بينما يرى منتقدوه في هذا الموقف “اختلالاً في تصنيفات الديمقراطية” واختزالاً لمفهوم الحياد في “محو الهوية”.
ويستند أحمد عصيد في دفاعه عن القرار إلى مبدأ “حياد المرفق العمومي”، الذي يفترض أن يقدم خدماته للمواطنين بغض النظر عن ألوانهم أو أصولهم أو لغاتهم أو معتقداتهم، مبدأ دستوري سليم، لا غبار عليه نظرياً، لكن تطبيقه على أرض الواقع يطرح إشكاليات أكبر من بساطة “استبدال عبارة بأخرى”.
فالمغرب، حسب الفصل الأول من دستوره، “دولة إسلامية”، والإسلام دين الدولة، هذا لا يعني تمييزاً ضد غير المسلمين، بل يعكس هوية مجتمعية راسخة، تتجلى في مظاهر الحياة اليومية، بما فيها طقوس الموت والدفن، فهل “حياد المرفق” يعني محو أي أثر لهذه الهوية من الفضاء العمومي، حتى في لحظة الوداع الأخير؟
ما يثير الاستفهام في موقف عصيد ليس فقط ترحيبه بالقرار، بل تأويله السياسي لهذا الإجراء الإداري، فاعتبار أن حصر عبارة “لا إله إلا الله” في سيارات المسلمين يضع المسؤولين في “وضع محرج”، يفترض مسبقاً أن وجود هذه العبارة يمثل “إشكالية ديمقراطية”، بينما يمكن فهمها ببساطة كتعبير عن الهوية الدينية لغالبية المغاربة، دون إقصاء لأي مكون آخر.
والسؤال الجوهري: لماذا يُفهم “حياد الدولة” على أنه “إزالة المقدس” من الفضاء العام، بدلاً من فهمه كـ”ضمان ولوج متكافئ للخدمات”؟ فالدولة يمكنها ضمان نقل جثث غير المسلمين بكرامة واحترام، دون الحاجة إلى “تجريد” سيارات المسلمين من رموزهم الدينية، ما دامت هذه الرموز لا تُعرقل الخدمة ولا تُكره أحداً على اعتناقها.
إن وصف عصيد للقرار بـ”المواطن والديمقراطي” يطرح سؤالاً مشروعاً حول مفهوم الدمقرطة الذي يدافع عنه، فهل الديمقراطية تعني “تعري الفضاء العام” من أي مرجعية دينية، حتى تلك التي يعبر عنها المواطنون طوعاً؟ أم أن الديمقراطية الحقيقية تكمن في “تدبير التنوع” باحترام، لا في “محو الاختلاف” باسم الحياد؟
المنتقدون لفكر عصيد يرون في موقفه هذا استمراراً لـ”مشروع علماني” يعتبر أن أي تعبير عن الهوية الإسلامية في الفضاء العام يمثل “تراجعاً عن الحداثة”، بينما أي إزالة لهذا التعبير تُقابل بـ”تهليل وترحيب”.
هذه النظرة الثنائية تبسط تعقيدات الواقع المغربي، الذي يجمع بين الانتماء الإسلامي والانفتاح الكوني، بين الثوابت الدينية والمقتضيات الديمقراطية.
من الناحية التقنية، يهدف القرار الوزاري إلى تحسين معايير الصحة والسلامة في نقل الجثث، وتوحيد العلامات المميزة لسيارات النقل لتسهيل المراقبة والرقابة، هدف نبيل لا خلاف عليه.
لكن الإشكال يبرز عندما يتحول التدبير التقني إلى رسالة رمزية، يُفهم منها أن الدولة “تتبرأ” من أي تعبير ديني في خدماتها، وهذا ما يغذي مخاوف جزء من الرأي العام، الذي يرى في القرار خطوة نحو “علمنة الفضاء العام” لا تستحضر خصوصية الهوية المغربية.
إن التحدي الحقيقي للديمقراطية في المغرب ليس في “إزالة عبارة من سيارة”، بل في بناء نموذج تدبيري يضمن: حياد المرفق العمومي في تقديم الخدمات، دون تمييز على أساس المعتقد، احترام الهوية الإسلامية للمجتمع، كمرجعية دستورية وثقافية، دون إقصاء أو تهميش، تدبير حكيم للتنوع، يضمن كرامة جميع المواطنين، أحياءً وأمواتاً، دون فرض رؤية أحادية على الفضاء العام.
موقف أحمد عصيد، مهما كانت نواياه حسنة، يعكس رؤية اختزالية للدمقرطة، تختزل التحدي الديمقراطي في “معركة رموز”، بينما يستحق المغرب نقاشاً أعمق حول كيفية التوفيق بين ثوابته الدينية، ومقتضيات دولته المدنية، وتطلعات مواطنيه نحو عدالة ومساواة حقيقيتين.
في النهاية، “لا إله إلا الله” ليست مجرد عبارة تزين سيارة، بل هي جزء من نسيج هوياتي معقد، والديمقراطية ليست “مساحة فارغة” من المقدس، بل هي فضاء لتدبير الاختلاف بحكمة واحترام، فإما دمقرطة تُدبر الهوية، وإما “علمنة” تُصادرها والخيار للمغاربة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد