اليحياوي يفضح الارتباك: قرارات تُولد مرتبكة وتموت خجلاً والدولة تتحول إلى مادة للسخرية
هبة زووم – الرباط
يواصل الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي تفكيك مظاهر العبث في تدبير الشأن العام، عبر تدوينات نقدية لا تعرف المجاملة، وتُسمي الأشياء بمسمياتها، كاشفًا بجرأة ما يعتبره قرارات عشوائية تُتخذ دون تفكير في تبعاتها، ثم يُتراجع عنها بسرعة تفضح حجم الارتباك.
آخر هذه القرارات، ذاك المشترك الصادر عن وزارة الداخلية ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية، والمتعلق بالعبارات الدينية المثبتة على سيارات نقل أموات المسلمين. قرارٌ وُلد أولًا بحذف غير مفهوم، ثم أُلغي على عجل، ليُستنسخ قرار جديد يحصر العبارات في ثلاث صيغ محددة، في مشهد أقرب إلى الارتجال الإداري منه إلى التدبير الرصين.
اليحياوي لا يتوقف عند مضمون القرار فقط، بل يطرح السؤال الأخطر: من اتخذ القرار الأول؟ ومن أوحى بإلغائه؟ وعلى أي أساس تُدار قضايا حساسة تمس الدين والمجتمع؟
أسئلة مشروعة، لكنها تكشف فراغًا مقلقًا في آليات اتخاذ القرار، حيث يبدو أن “الحماسة” – كما يقول – تحولت من فضيلة إلى عبء، بل إلى مصدر إحراج وسخرية.
الأكثر إثارة للاستغراب، في نظر الباحث، ليس فقط القرار ولا التراجع عنه، بل صمت وتواطؤ الجهات التي يُفترض أنها معنية مباشرة، وعلى رأسها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وزارة يُفترض أن تكون حاضرة حين يتعلق الأمر بالرمزية الدينية، لكنها اختارت الغياب، وكأن الأمر لا يعنيها.
ولا يقف النقد عند هذا الحد، بل يمتد إلى ما سماه اليحياوي بـ”جمهرة العلماء”، الذين بات ضررهم – حسب تعبيره – أكثر من نفعهم، وإلى “نخبة” من المثقفين والمفكرين الذين انسحبوا إلى الهامش، متذرعين بأن هذه “قضايا عامة” لا تعنيهم، وهنا تكمن المفارقة القاسية: حين تصمت النخب، يُترك المجال للقرارات المرتبكة كي تمر، ثم تُسحب، دون محاسبة.
اليحياوي، الذي يصرّ على تعريف نفسه كواحد من “عامة المسلمين”، عبّر بوضوح عن صدمته من القرار الأول، ومن السرعة القياسية في التراجع عنه، وهو ما اعتبره دليلًا على أن الأمر لم يكن مدروسًا من الأصل. وفي رسالة مباشرة وغير مسبوقة، خاطب وزير الداخلية بعبارة ثقيلة الدلالة: “استحيوا على أعراضكم… لقد تجاوزتم في العبث”.
رسالة قاسية، لكنها تعكس حجم الاحتقان، وتُجسد صوت فئة واسعة من المواطنين الذين لم يستوعبوا كيف يمكن العبث بقضايا رمزية وحساسة بهذا الشكل، ثم التراجع عنها دون أي اعتذار أو توضيح رسمي.
صحيح أن القرار تم التراجع عنه، لكن الضرر وقع، فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على تصحيح أخطائها، بل بقدرتها على عدم الوقوع فيها أصلًا، وحين تتحول القرارات السيادية إلى مادة للنقاش الساخر في مواقع التواصل، فذلك مؤشر خطير على تآكل الثقة.
ما كتبه اليحياوي ليس مجرد تدوينة، بل تشخيص لأزمة أعمق: أزمة قرار يُتخذ بلا تشاور، يُنفذ بلا تفكير، ثم يُلغى تحت الضغط، في غياب تام للمساءلة.