هبة زووم – الرباط
كشف يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، أن وزارته تعتزم إطلاق دراسة تقنية شاملة لإعادة النظر في منظومة معايير التكوين المهني الخاص بمؤسسات التكوين في مجال البصريات، في خطوة وصفت بـ”الضرورية” لضمان جودة التكوين وحماية صحة المواطنين، خاصة في قطاع حساس يتعلق بالرؤية والمهن الشبه طبية.
وتشمل هذه المراجعة، حسب الوزير، اعتماد دفاتر تحملات جديدة تتلاءم مع خصوصيات قطاع الصحة والمهن الشبه طبية، بالإضافة إلى تحيين معايير التأطير البيداغوجي والتقني، وفضاءات التكوين، وبطاقات المعايير، في محاولة لمواكبة التطورات المهنية والتقنية التي يشهدها المجال.
أرقام تكشف الفجوة بين “المرخص” و”المعتمد”
ولم يخفِ الوزير، في جوابه على سؤال للمجموعة النيابية للعدالة والتنمية، أن الواقع الميداني للتكوين المهني الخاص في قطاع البصريات يطرح تحديات حقيقية، حيث أفاد بأن عدد المؤسسات الخاصة التي تنظم التكوين في هذا القطاع بلغ 31 مؤسسة برسم الموسم التكويني 2024/2023، من بينها 11 مؤسسة فقط حاصلة على الاعتماد الرسمي.
هذا الرقم – 31 مؤسسة مقابل 11 معتمدة – يُطرح كسؤال محرج: ماذا عن المؤسسات الـ20 المتبقية؟ وهل تُقدم تكويناً يلتزم بالمعايير الدنيا للجودة؟ وأي “حماية للمواطن” هذه التي تسمح بوجود مؤسسات تُكون في مجال حساس كالبصريات دون اعتماد رسمي؟
هذا، وقد أكد السكوري أن الوزارة لا تكتفي بوضع المعايير، بل تعمل على مراقبتها ميدانياً، حيث خضعت 338 مؤسسة خاصة للتكوين المهني للمراقبة الميدانية برسم سنة 2024/2023، موزعة على مجموع التراب الوطني، شملت 15 مؤسسة تنظم التكوين في مجال البصريات للتحقق من احترام المعايير المعتمدة.
وتتم هذه المراقبة، حسب الوزير، عبر المندوبيات الجهوية والمصالح الخارجية للتكوين المهني، من خلال “المراقبة البيداغوجية” التي تهم دراسة الحصيلة الإدارية والبيداغوجية المودعة سنوياً، لكن السؤال الجوهري يبقى: ما هي نتائج هذه المراقبة؟ وهل تم اتخاذ إجراءات زجرية في حق المؤسسات التي لم تلتزم بالمعايير؟
ولا يقتصر أهمية مراجعة معايير التكوين في البصريات على الجانب “الإداري” فحسب، بل يمتد إلى البعد الصحي والوقائي، حيث يتعلق الأمر بتكوين مهنيين سيتولون مسؤولية فحص النظر، ووصف النظارات، والكشف عن أمراض بصرية محتملة.
فكيف يمكن ضمان جودة هذه الخدمات إذا كان التكوين الأساسي للمهنيين لا يخضع لمعايير صارمة ومحدثة؟ وأي “ثقة” يمكن أن يمنحها المواطن لمختص في البصريات إذا كان مساره التكويني غير خاضع لرقابة حقيقية؟ إن مراجعة دفاتر التحملات ومعايير التأطير البيداغوجي تُعدّ خطوة إيجابية، لكنها تظل قاصرة إذا لم تُرافق بشفافية في إعلان نتائج المراقبة، وعقوبات رادعة في حق من يُقدم تكويناً دون احترام المعايير، خاصة في القطاعات الصحية.
وأفاد الوزير بأن العدد الإجمالي لمؤسسات التكوين المهني الخاص برسم الموسم 2024/2023 بلغ 1356 مؤسسة، من ضمنها 424 مؤسسة معتمدة فقط.
هذا التباين الكبير بين العدد الإجمالي وعدد المؤسسات المعتمدة يُطرح كإشكالية هيكلية: هل نحتاج إلى “وفرة” في العرض التكويني، أم إلى “نجاعة” في الجودة؟
إن فتح الباب أمام مئات المؤسسات الخاصة دون ضمانات كافية للجودة قد يُنتج “خريجين” غير مؤهلين، يُهددون ليس فقط سمعة التكوين المهني، بل أيضاً صحة وسلامة المواطنين الذين يثقون في خدماتهم.
ولم يعد كافياً أن تعلن الوزارة عن “دراسة تقنية” أو “مراجعة معايير”، فما يحتاجه المواطنون والمهنيون اليوم هو إعلان جدول زمني واضح لانتهاء الدراسة وبدء تطبيق المعايير الجديدة، مع مراحل انتقالية واضحة للمؤسسات الحالية، ونشر نتائج المراقبة الميدانية بشكل دوري وشفاف، مع تحديد المؤسسات التي التزمت بالمعايير وتلك التي خالفتها.
كما يتطلب الأمر تعزيز آليات التأطير والتكوين المستمر للمكونين في مؤسسات البصريات، لضمان تحديث معارفهم ومهاراتهم، وإشراك المهنيين والنقابات في مراجعة دفاتر التحملات، لضمان ملاءمتها للواقع المهني ومتطلبات السوق، بالإضافة إلى حماية المستهلك عبر إلزام المؤسسات بالإعلان عن وضع اعتمادها بشكل واضح، وتمكين المواطنين من التحقق من شرعية التكوين المقدم.
ما تعلنه وزارة التشغيل حول مراجعة معايير التكوين في البصريات ليس “إجراءً روتينياً”، بل هو اختبار لمصداقية الإصلاح وقدرة الدولة على ضمان جودة التكوين في قطاعات حساسة تمس صحة المواطنين.
تعليقات الزوار