هبة زووم – الدار البيضاء
لم يعد الانهيار الذي يعرفه القطاع الصحي العمومي بالدار البيضاء مجرد أزمة عابرة أو اختلال ظرفي، بل تحوّل إلى واقع بنيوي خطير يضرب في العمق أحد أهم الحقوق الدستورية للمواطن: الحق في العلاج.
ففي الوقت الذي تتآكل فيه المستشفيات العمومية بفعل الإهمال، ونقص التجهيزات، وغياب الموارد البشرية، يشهد القطاع الصحي الخاص انتعاشًا لافتًا، يطرح أكثر من علامة استفهام حول منطق العدالة الصحية وتكافؤ الفرص.
الصحة ليست مجالًا للمضاربة، ولا ينبغي أن تُدار بمنطق السوق المفتوحة، لأن الأمر لا يتعلق بسلعة استهلاكية، بل بحياة الإنسان وكرامته. غير أن ما يعيشه المواطن اليوم يُظهر أن العلاج أصبح، في كثير من الحالات، امتيازًا ماليًا لا حقًا إنسانيًا، وأن من لا يملك القدرة على الأداء يجد نفسه أمام أبواب موصدة أو مسارات علاجية ناقصة.
الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود قطاع صحي خاص قوي، فذلك أمر طبيعي في أي منظومة صحية متوازنة، بل في تحوّل بعض المؤسسات الصحية الخاصة إلى كيانات تبدو فوق القانون، محصّنة بشبكات نفوذ وعلاقات تجعلها خارج دائرة المراقبة والمساءلة.
وعندما يصبح حجم المؤسسة ونفوذها سببًا للإعفاء الضمني من التفتيش والافتحاص، فإن الخطر لا يهدد فقط المرضى، بل مصداقية الدولة نفسها.
في هذا السياق، تتكرر شكاوى المواطنين من فواتير غامضة، و”إضافات” غير مفهومة، وغياب الشفافية في تحديد الأسعار، ما يحوّل العملية العلاجية إلى معادلة مالية باردة: سرير، تدخل جراحي، فاتورة، ثم مفاجآت لا يبررها أي نص قانوني واضح.
الحديث عن “أموال سوداء” أو “حماية نافذة” يبقى اتهامًا خطيرًا لا يمكن إطلاقه دون أدلة دامغة، لكن المطالبة بالشفافية، وبافتحاصات مستقلة، وبفرض الفوترة القانونية الصارمة، ليست تشهيرًا ولا استهدافًا، بل حق مشروع للمواطن وواجب على الدولة. فالقانون وُضع ليُطبق على الجميع، لا ليُعطّل أمام من يملك النفوذ أو المال.
إن استمرار هذا الوضع يكرّس فقدان الثقة في المنظومة الصحية برمتها، ويُعمّق الإحساس بالحيف، ويدفع المواطن إلى الاعتقاد بأن العلاج في هذا البلد لم يعد مضمونًا إلا لمن يدفع أكثر، وهو منطق خطير، لأن انهيار الثقة في قطاع الصحة يعني انهيار آخر جدار يفترض أن يحتمي به المواطن في لحظات ضعفه.
إصلاح القطاع الصحي بالدار البيضاء لا يمر عبر شيطنة القطاع الخاص، ولا عبر ترك العمومي ينزف في صمت، بل عبر إعادة الاعتبار للمستشفى العمومي، وتطبيق القانون بصرامة على الجميع، وربط الاستثمار الصحي بالمساءلة والشفافية، فالصحة ليست امتيازًا، وليست صفقة، وليست مجالًا للغموض، إنها حق، ومن يفرّط فيه يفرّط في أساس الدولة الاجتماعية.
تعليقات الزوار