هبة زووم – أكادير
في أكادير، لا يحتاج الفقر إلى أزمة كبرى كي يطرق أبواب الأسر، أحيانًا يكفيه أن يتسلّل بهدوء عبر نوافذ المصاريف اليومية الصغيرة، تلك التي لا تُرى في الإحصائيات الرسمية، لكنها تفرغ الجيوب وتُراكم الإحباط.
فهناك اقتصاد موازٍ، أو “خفي”، ينهش القدرة الشرائية للمواطنين دون ضجيج، ويحوّل الراتب الشهري إلى رقم يتبخر قبل منتصف الشهر.
المفارقة أن المواطن الملتزم بالقانون هو من يدفع الثمن الأكبر. فهو يؤدي الضرائب المباشرة وغير المباشرة، بينما يراكم آخرون أرباحهم في الظل، خارج أي التزام تجاه المصلحة العامة.
ومع اتساع هذه الهوة، تخسر خزينة الدولة موارد مهمة، فتسعى إلى سد العجز عبر الضغط الضريبي ورفع أسعار المواد والخدمات، لتقع الكلفة النهائية مجددًا على الفئات الهشة والطبقة المتوسطة.
هذا الوضع لا يهدد فقط التوازن الاجتماعي، بل يضرب في العمق منسوب الثقة. فحين يرى المواطن أن الرفاهية تُبنى خارج القانون، يتراجع الإحساس بالعدالة، ويصبح الالتزام نفسه موضع شك، وكأن التهرب هو القاعدة، لا الاستثناء.
ومع حلول شهر رمضان، لم يكن الصيام وحده ما أرهق الأسر السوسية، بل رافقته موجة جديدة من الارتفاعات الصاروخية في أسعار المواد الغذائية الأساسية، ليتحوّل الشهر الفضيل إلى مرآة تعكس هشاشة القدرة الشرائية، وعجز آليات المراقبة عن كبح جماح المضاربة.
في الأسواق الشعبية، وجد المواطن نفسه أمام معادلة قاسية: إما الرضوخ لأسعار تفوق طاقته، أو تقليص قائمة المشتريات اليومية، وتأجيل حلم “المائدة العامرة”، سؤال يتكرر كل عام دون جواب حاسم: كيف تنتصر المضاربة باستمرار على وعود الحماية الاجتماعية؟
خلال الأيام الأولى من رمضان، فوجئ المواطنون بقفزات لافتة في الأسعار. تجاوز ثمن اللحوم الحمراء 100 درهم للكيلوغرام في بعض نقاط البيع، وبلغ سعر الدجاج حوالي 18 درهمًا، فيما قفز ثمن السردين إلى 25 درهمًا، مع تفاوت كبير بين سوق وآخر، ما يعكس غياب تسعيرة مرجعية واضحة أو مراقبة فعالة.
ولم تسلم الخضراوات والفواكه بدورها من موجة الغلاء، لتتحول “القفة” الرمضانية من طقس اجتماعي مألوف إلى عبء ثقيل على كاهل الأسر محدودة الدخل، ودافعًا للكثيرين إلى تقليص الاستهلاك أو الاستغناء عن أصناف أساسية.
ما يحدث في أكادير ليس مجرد تقلب ظرفي للأسعار، بل نتيجة تراكم اختلالات في سلاسل التوزيع، وغياب رقابة حقيقية تردع المضاربين، وتضمن التوازن بين العرض والطلب.
فبدون تدخل صارم وشفاف، يظل المواطن الحلقة الأضعف، يدفع ثمن الفوضى مرتين: مرة عند الشراء، ومرة حين يفقد ثقته في جدوى الوعود الرسمية.
تعليقات الزوار