هبة زووم – طنجة
تعيش الأوساط السياسية في محور طنجة-تطوان على وقع غليان غير مسبوق، مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، حيث عادت إلى الواجهة صراعات التزكيات الحزبية لتعيد فتح النقاش القديم المتجدد حول “زواج المال الحرام بالسياسة” في معقل الشمال الحساس.
فبينما يُفترض أن تكون الانتخابات محطة ديمقراطية لاختيار من يمثل المواطنين ويدافع عن مصالحهم، تحولت في بعض الأوساط إلى سوق للمزايدة حيث يتسابق أثرياء فجأة للظفر بقبعات أحزاب عريقة، ليس حباً في الإيديولوجيا، بل بحثاً عن حصانة برلمانية أو نفوذ محلي يحمي إمبراطورياتهم من المساءلة القانونية.
لا يحتاج المرء إلى خبير في مكافحة غسيل الأموال ليفهم خطورة ما يحدث في صالونات طنجة وتطوان: أشخاص “أثرياء فجأة”، تحوم حولهم شبهات ثقيلة تتعلق بالاتجار الدولي في المخدرات أو تبييض الأموال عبر واجهات عقارية ولوجستيكية، يتسابقون للظفر بتزكيات أحزاب كبرى (من الأغلبية والمعارضة على حد سواء)، في مشهد يطرح سؤالاً وجودياً: كيف يمكن لحزب سياسي أن يقبل بتزكية مشبوهة بينما هو يدعي الدفاع عن النزاهة والشفافية؟
والسؤال الذي يطرح نفسه بحدة اليوم: من يمول حملات هؤلاء المرشحين الجدد؟ وهل تخضع مصادر تمويلهم لمراقبة صارمة من قبل الأحزاب والجهات الرقابية المختصة؟ كون تحويل العمل السياسي من رسالة خدمة عامة إلى درع واقٍ لأموال مشبوهة لا يُهدد فقط مصداقية الأحزاب، بل يُرسّخ ثقافة الإفلات من المحاسبة التي لطالما عانت منها الديمقراطيات الناشئة.
وفي هذا السياق، يرى متتبعون للشأن المحلي أن محاولة غزو أصحاب السوابق المشبوهة للوائح الانتخابية يفرغ العمل السياسي من محتواه، ويحول الجماعات الترابية والمجالس الإقليمية إلى دروع واقية لخدمة أجندات العالم السفلي، بعيداً عن هموم الساكنة وتطلعات التنمية، فالحصانة البرلمانية، التي صُممت أصلاً لحماية المنتخبين من الملاحقات التعسفية، قد تتحول في أيدي المشبوهين إلى درع ضد العدالة يمنع فتح تحقيقات في أنشطة مالية مشبوهة أو علاقات غير مشروعة.
هذا الانحراف المؤسسي يطرح إشكاليات عميقة: أين هي آليات “الغربلة” الداخلية التي يفترض أن تمنع وصول المشبوهين إلى لوائح الترشيحات؟ ولماذا لا تُعلن الأحزاب عن معايير التزكية لضمان الشفافية وتكافؤ الفرص بين المرشحين؟ وكيف يمكن للمواطن أن يثق في صندوق الاقتراع بينما الوجوه الملوثة تتصدر القوائم الانتخابية؟
لم تتوقف التحذيرات عند النشطاء والحقوقيين، بل امتدت لتشمل أصواتاً داخل الأحزاب نفسها، تخشى من أن تتحول تزكية المشبوهين إلى وصمة عار تلاحق الهيئات السياسية، وتؤدي إلى عزوف المواطنين عن صناديق الاقتراع بسبب تلوث الوجوه المرشحة.
هذا القلق الداخلي يطرح أسئلة محرجة: لماذا لا تجرؤ قيادات الأحزاب على رفض الأظرفة السمينة التي تشتري التزكيات والمقاعد؟ وأين هي الشجاعة السياسية التي تفرض تقديم المصلحة العامة على المكاسب المالية الآنية؟
فتحويل الحزب من مشروع مجتمعي إلى مكتب خدمات لأثرياء مشبوهين لا يُهدد فقط مستقبل الديمقراطية المحلية، بل يُعمّق شعور المواطنين باللامبالاة المؤسسية التي تُحوّل الانتخابات من حق مقدس إلى مسرحية مُعدة سلفاً.
الرهان اليوم على أجهزة الرقابة وقيادات الأحزاب بالرباط، للقيام بغربلة حقيقية للترشيحات في الشمال، والقطع مع عهد الأظرفة السمينة التي كانت تشتري المقاعد والتزكيات، وتعوضها بوجوه نظيفة قادرة على مواكبة الأوراش الكبرى للمملكة، لكن السؤال الأهم يبقى: هل تمتلك الأحزاب الشجاعة لقول “لا” لأباطرة الممنوعات؟ أم أن هاجس المقاعد سيعمي البصيرة ويسمح للمال الحرام بالجلوس تحت قبة البرلمان وداخل كراسي المسؤولية؟
الشارع في طنجة وتطوان اليوم بات يطرح سؤالاً حارقاً: هل ستمتلك الأحزاب الشجاعة لقول “لا” لأباطرة الممنوعات؟ أم أن هاجس المقاعد سيعمي البصيرة ويسمح للمال الحرام بالجلوس تحت قبة البرلمان وداخل كراسي المسؤولية؟ هذا السؤال الوجودي لا يُعبر فقط عن قلق مواطني، بل هو نداء استغاثة من ساكنة تنتظر من أحزابها أن تكون حامية للنزاهة لا سوقاً للمزايدة.
فالمواطن في الشمال لا يريد مرشحين أثرياء، بل يريد منتخبين أكفاء قادرين على تدبير الشأن المحلي بشفافية ونزاهة، ولا يريد أحزاباً تبيع تزكياتها، بل يريد هيئات سياسية تُقدّم مشاريع تنموية لا صفقات مالية.
تعليقات الزوار